مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
عابد آخر جاء رجل إلى بيت المقدس فمد كساءه في ناحية المسجد فكان فيه الليل والنهار، طعيمه خلف ذلك الكساء الذي قد مده. قال: فيبيت ليله أجمع يصلي فإذا طلع الفجر مد بصوت له: عند الصباح يغبط القوم السرى. قال: وكان يقال له: ألا ترفق بنفسك? فيقول: إنما هي نفسي أبادرها أن تخرج.
عابد آخر
ذو النون قال: نظرت إلى رجل في بيت المقدس قد استفرغه الوله فقلت له: ما الذي أثار منك ما أرى? قال: ذهب الزهاد والعباد بصفو الإخلاص وبقيت في كدر الانتقاص، فهل من دليل مرشد أو من حكيم موقظ?
عابد آخر
قال سمنون: كنت ببيت المقدس في برد شديد، وعلي جبة وكساء، وأنا أجد البرد والثلج يسقط، فرأيت شابا عليه خرقتان في الصحن يمشي، فقلت: يا حبيبي لو استترت ببعض هذه الأروقة فيكنك من البرد. فقال لي: يا أخي سمنون: ويحسن ظني أنني في فنائه وهل أحد في كنه يجد البردا
من عقلاء المجانين ببيت المقدس
شاب بلغنا عن أبي الجوال المغربي قال: كنت ببيت المقدس جالسا مع رجل صالح وإذا قد طلع علينا شاب والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون: مجنون فدخل المسجد وهو ينادي اللهم أرحني من هذه الدار. فقلت له: هذا كلام حكيم فمن أين لك هذه الحكمة? فقال: من أخلص له في الخدمة أورثه طرائف الحكمة وأيده بأسباب العصمة، وليس بي جنون وولق؛ بل قلق وفرق. ثم جعل يقول:
هجرت الورى في حب من جاد بالنعم وعفت الكرى شوقا إليه فلم أنم
وموهت دهري بالجنون عن الورى لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
فلما رأيت الشوق والحب بائحا كشفت قناعي ثم قلت: نعم نعم
فإن قيل مجنون فقد جنني الهوى وإن قيل مسقام فما بي من سقم
وحق الهوى والحب والعهد بيننا وحرمة روح الأنس في حندس الظلم
لقد لامني الواشون فيك جهالة فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم
فعاتبهم طرفي بغير تكلم وأخبرهم أن الهوى يورث السقم
صفحه ۴۹۰