مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول في مناجاته: إنك إن طالبتني بشري طالبتك بكرمك، وإن أخذتني بذنوبي أتيتك بتوحيدك، وإن أسكنتني النار بين أعدائك لأخبرنهم بحبي لك.
قال أبو سليمان: كنت أنظر إلى الأخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهرا.
وقال أبو سليمان: إنما الأخ الذي تعظك رؤيته قبل أن يعظك بكلامه.
بات أبو سليمان ذات ليلة فلما انتصف الليل قام ليتهيأ، فلما أدخل يده في الإناء بقي على حالته حتى انفجر الصبح، وكان وقت الإقامة. فخشيت أن تفوته الصلاة فقلت: الصلاة يرحمك الله. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال: يا أحمد أدخلت يدي في الإناء فعارضني معارض من سري: هب أنك غسلت بالماء ما ظهر منك فبماذا تغسل قلبك? فبقيت متفكرا حتى قلت بالغموم والأحزان فيما يفوتني من الأنس بالله عز وجل.
قال أبو سليمان: ما يسر العاقل أن الدنيا له منذ خلقت إلى أن تفنى، يتنعم فيها حلالا لا يسأل عنه يوم القيامة وأنه حجب عن الله عز وجل ساعة واحدة، فكيف بمن حجب أيام الدنيا وأيام الآخرة? أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها وكيف تهنئ الدنيا من كانت هذه صفته? وسمعته يقول: إنما ارتفعوا بالخوف، فإن ضيعوا نزلوا وينبغي لعاقل وإن بلغ أعلى درجة أن يفزع قلبه بأسفل درجة من ذكر الموت والمقابر والبعث.
وقلت لأبي سليمان إني قد غبطت بني إسرائيل. قال: بأي شيء ويحك? قلت: بثمانمائة سنة بأربعمائة ينن حتى يصيروا كالشنان البالية وكالأوتار. قال: ما ظننت إلا أنك قد جئت بشيء، لا والله لا يريد الله عز وجل منا أن تيبس جلودنا على عظامنا ولا يريد منا إلا صدق النية فيما عنده، هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما نال ذاك في عمره.
صفحه ۴۷۸