385

قال يحيى بن بسطام: كنت أشهد مجلس شعوانة كثيرا فكنت أرى ما تصنع بنفسها، فقلت لصاحب لي يقال له عمران بن مسلم: لو أتيناها إذا خلت. قال: فانطلقنا أنا وهو إلى الأبلة فاستأذنا عليها فأذنت لنا فإذا منزل رث الهيئة أثر الجدب عليه بين. فقال لها صاحبي: لو رفقت بنفسك فقصرت عن هذا البكاء شيئا كان أقوى لك على ما تريدين. قال: فبكت ثم قالت: والله لوددت أني أبكي حتى تنفد دموعي، ثم أبكي الدماء حتى لا تبقى في جسدي جارحة فيها قطرة من دم، وأنى لي البكاء? قال: فلم تزل تردد ذلك حتى انقلبت حدقتاها، ثم مالت ساقطة مغشيا عليها. فقمنا فخرجنا وتركناها على تلك الحال.

قال مضر: ما رأيت أحدا أقوى على كثرة البكاء من شعوانة، ولا سمعت صوتا قط أحرق لقلوب الخائفين من صوتها إذا هي نشجت ثم نادت: يا موتى وبني الموتى وأخوة الموتى.

قال محمد: وقلت لأبي عمر الضرير: أتيت شعوانة? قال: قد شهدت مجلسها مرارا ما كنت أفهم ما تقول من كثرة بكائها. قلت: فهل تحفظ من كلامها شيئا? قال: ما حفظت من كلامها شيئا أذكره الساعة إلا شيئا واحدا، قلت: وما هو? قال: سمعتها تقول: من استطاع منكم أن يبكي فليبك وإلا فليرحم الباكي فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بما أتى إلى نفسه.

عن الحارث بن المغيرة قال: كانت شعوانة تنوح بهذين البيتين:

يؤمل دنيا لتبقى له فوافى المنية قبل الأمل

حثيثا يروي أصول الفسيل فعاش الفسيل ومات الرجل

قال الحسن بن يحيى: كانت شعوانة تردد هذا البيت فتبكي وتبكي النساك معها، تقول:

لقد أمن المغرور دار مقامه ويوشك يوما أن يخاف كما أمن

عن فضيل بن عياض قال: قدمت شعوانة فأتيتها فشكوت إليها وسألتها أن تدعو بدعاء، فقالت: يا فضيل أما بينك وبين الله ما إن دعوته استجاب لك? قال: فشهق الفضيل وخر مغشيا عليه.

قال محمد بن سلمان: كانت شعوانة قد كمدت حتى انقطعت عن الصلاة والعبادة فأتاها آت في منامها فقال:

صفحه ۳۹۰