مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ویرایشگر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ویراست
الأولى
سال انتشار
1422هـ - 2001م
محل انتشار
لبنان/ بيروت
( 561 ) ( وعن حمنة ) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها نون وهاء . ( بنت جحش ) بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة ، بعدها شين معجمة . ( قالت : كنت أستحاض حيضة ) بكسر الحاء لا غير . قال التوربشتي : بفتح الحاء على المرة الواحدة ، ولم يقل حيضا ، لتتميز تلك الحالة التي كانت عليها من سائر أحوال المحيض في الشدة والكثرة والإستمرار . ( كثيرة ) في الكمية ( شديدة ) في الكيفية ، وفيه إطلاق الحيض على دم الإستحاضة تغليبا . ( فأتيت النبي أستفتيه وأخبره ) الواو لمطلق الجمع ، وإلا كان حقه فأخبره وأستفتيه ، وأما قول ابن حجر : وأخبره عطف تفسير لبيان أن الإستفتاء عن الشيء ، هو الإخبار به لطلب بيان حكم الله فيه . وهذا مما يخفى فلذا احتاجت لذكر ، وأخبره بعد أستفتيه . فمن أعجب العجائب كما لا يخفى على أولى الألباب ، وأغرب منه أنه قال فاندفع ما قيل : إن الواو لمطلق الجمع إلى آخر ما ذكرنا . ( فوجدته ) عليه الصلاة والسلام ( في بيت أختي زينب ) من الأزواج الطاهرات . ( بنت جحش ) يعني أنها أخت نسبية لها ( فقلت : يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة ) يعني يجري دمي أشد جريا من دم الحيض ، والكثرة من حيث الوقت والدم . ( فما تأمرني ) ما استفهامية ، ( فيها ) أي في الحيضة . يعني في حال وجودها ، ( قد منعتني ) استئناف مبين لما ألجأها إلى السؤال . وجعله ابن حجر جملة حالية من المجرور بفي . ( الصلاة والصيام ) أي على زعمها ( قال : أنعت ) أي أصف ، ( لك الكرسف ) أي القطن لكونه مذهبا للدم . يعني لتعالجي به لقطر الدم . قيل في قوله : أنعت ، إشارة إلى حسن أثر القطن وصلاحيته لذلك ، لأن النعت أكثر ما يستعمل في وصف الشيء بما هو فيه من حسن . ( فإنه يذهب الدم ) أي يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج ، أو معناه فاستعمليه لعل دمك ينقطع . ( قالت : هو أكثر من ذلك ) أي هو أكثر من أن ينقطع بالكرسف ، ( قال : فتلجمي ) أي شدي اللجام ، يعني خرقة على هيئة اللجام كالإستثفار . ( قالت : هو أكثر من ذلك . قال : فاتخذي ثوبا ) أي مطبقا ( قالت : هو أكثر من ذلك ) أي من أن يمنعه ، ( إنما أثج ) بضم المثلثة ( ثجا ) من ثج الماء والدم ، لازم ومتعد ، أي انصب أي أو أصبه . فعلى الثاني تقديره أثج الدم ، وعلى الأول إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة ، يسيل دمي سيلانا فاحشا . ومنه قوله تعالى : 16 ( { ماء ثجاجا } ) [ النبأ 14 ] أي كثيرا منهمرا . ( فقال النبي : سآمرك ) السين للتأكيد ( بأمرين ) أي حكمين ، أو صنعين ( أيهما ) بالفتح . وقيل : بالضم ( صنعت أجزأ عنك من الآخر ) يقال : أجزأت عنك أغنيت عنك ، فمن : بمعنى البدل ، كما قيل في قوله تعالى : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا . وفي قوله عليه الصلاة والسلام : ولا ينفع ذا الجد منك الجد . فقول ابن حجر الظاهر أنها بمعنى عن ، وعدل عنها لثقل التوالي بين عنك وعن غير ظاهر ، نشأ عن غفلة . ( وإن قويت ) أي قدرت ( عليهما فأنت أعلم ) أي بحالك ، إشارة إلى التخيير ( قال لها : إنما هذه ) أي الثجة أو العلة ، وفي المصابيح إنما هي ( ركضة ) أي دفعة وضربة ، والركضة ضرب الأرض بالرجل في حال العدو أو غيره . ومنه قوله تعالى : اركض برجلك ( من ركضات الشيطان ) يريد به الإضرار والإفساد ، وإضافتها إلى الشيطان لأنه وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وقت طهرها وصلاتها وصيامها ، حتى أنساها ذلك ، فكأنها ركضة نالتها من ركضاته ، أو الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان . ( فتحيضي ) أي اقعدي أيام حيضتك عن الصلاة والصوم ونحوهما ، واجعلي نفسك حائضة . ( ستة أيام أو سبعة أيام ) قيل أو للشك من الراوي . وقد ذكر أحد العددين اعتبارا بالغالب من حال نساء قومها ، وقيل للتخيير بين كل واحد من العددين ، لأنه العرف الظاهر والغالب من أحوال النساء . وقال النووي : أو للتقسيم ، أي ستة إن اعتادتها أو سبعة إن اعتادتها إن كانت معتادة ، لا مبتدأة ، أو لعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة ، فقال لها : ستة إن لم تذكري عادتك ، أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك . أو لعل عادتها كانت مختلفة فيهما ، فقال : ستة في شهر الستة وسبعة في شهر السبعة . ا ه . وقيل للتنويع على اعتبار حالها بحال من هي مثلها من النساء المماثلة لها في السن المشاركة لها في المزاج بسبب القرابة ، أو المسكن . فإن كان عادة مثلها ستا فستا ، وإن سبعا فسبعا . ولعل هذا في المبتدأة أو المتحيرة . وقيل وهو الظاهر أنها كانت معتادة ونسيت أن عادتها كانت ستا أو سبعا ، فأمرها عليه الصلاة والسلام أن تتحرى وتجتهد وتبني على ما تيقنت من أحد العددين ، بدليل قوله : ( في علم الله ) أي فيما حكم الله من أمرك . ومعناه على قول الشك في علمه الذي بينه وشرعه لنا . كما يقال في حكم الله وفي كتاب الله . وقيل فيما أعلمك الله من عادات النساء من الست أو السبع . وفي قول التخيير فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة . هذا خلاصة كلام الشراح . وقال ابن الهمام من أئمتنا في شرح الهداية : أقل الطهر خمسة عشر يوما ، ولا حد لأكثره لأنه قد يمتد سنة وسنتين ، وقد لا تحيض أصلا . فلا يمكن تقديره ، إلا إذا استمر بها الدم ، فاحتيج إلى نصب العادة ، إما بأن بلغت مستحاضة ، وإما بأن بلغت برؤية عشرة مثلا دما وستة طهرا ، ثم استمر بها الدم . أو كانت صاحبة عادة فاستمر بها الدم ونسيت عدد أيامها وأولها وآخرها ودورها . أما الأولى ، فيقدر حيضها بعشرة من كل شهر وباقيه طهر ، فشهر عشرون ، وشهر تسعة عشر . وأما الثانية ، فقال أبو عصمة والقاضي أبو حازم : حيضها ما رأت ، وطهارتها ما رأت ، فتنقضي عدتها بثلاث سنين وثلاثين يوما . وأما الثالثة ، فيجب أن تتحرى وتمضي على أكبر رأيها ، فإن لم يكن لها رأي فهي المحيرة لا يحكم لها بشيء من الحيض والطهر على التعيين ، بل تأخذ في الأحوط في حق الأحكام فتجتنب ما تجتنبه الحائض من القراءة والمس وقربان الزوج ، وتغتسل لكل صلاة فتصلي به الفرض والوتر ، وتقرأ ما تجوز به الصلاة فقط ، وقيل الفاتحة والسورة لأنهما واجبتان . وإن حجت تطوف طواف الزيارة ، لأنه ركن ثم تعيده بعد عشرة أيام ، ثم تطوف للصدر لأنه واجب . وتصوم شهر رمضان ثم تقضي خمسة وعشرين يوما ، لإحتمال كونها حاضت من أوله عشرة ومن آخره خمسة ، أو بالعكس . ثم يحتمل أنها حاضت في القضاء عشرة فسلم خمسة عشر بيقين . والفتوى على أن طهرها في حق العدة مقدر بشهرين والله تعالى أعلم . ( ثم اغتسلي ) أي بعد الستة أو السبعة من الحيض . ( حتى إذا رأيت ) أي علمت ( أنك قد طهرت ) بأن رأيت البياض ( واستنقأت ) قال في المغرب : الإستنقاء مبالغة في تنقية البدن قياس ، ومنه قوله : إذا رأيت أنك طهرت واستنقيت . والهمزة فيه خطأ . ا ه . وهو في النسخ كلها بالهمز مضبوط ، فيكون جراءة عظيمة من صاحب المغرب بالنسبة إلى العدول الضابطين الحافظين ، مع إمكان حمله على الشذوذ . إذ الياء من حروف الإبدال . وقد جاء شئمة مهموزا بدلا من شيمة شاذا على ما في الشافية . هذا ومن الغريب العجيب أنه لو نقل الزوزني عن الأصمعي عن البدوي الذي يبول على عقبية ، مثل هذا النقل المعتمد المستند بالسند . يخطؤون ويخطئون والله ولي دينه ( فصلي ثلاثا وعشرين ليلة ) يعني وأيامها ، إن كانت مدة الحيضة سبعة ( أو أربعا وعشرين ليلة . وأيامها ) إن كانت مدة الحيضة ستة ، ( وصومي ) أي رمضان وغيره من كل شهر كذلك ، ( فإن ذلك ) أي ما قدر لك من الأيام في حق الصلاة والصيام ، ( يجزئك ) أي يكفيك . يقال : أجزأني الشيء أي كفاني . ويروى بالياء كذا في النهاية . ( وكذلك ) أي مثل ما ذكرت لك في هذا الشهر الذي أنت فيه ، يعني السائلة . ( فافعلي كل شهر كما تحيض النساء ) أي اللواتي مثلك في نسيان عادتهن ( وكما يطهرن ) وقال ابن الملك : اجعلي حيضك بقدر ما يكون عادة النساء ، من ست أو سبع وكذلك طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين ، أو أربع وعشرين . ( ميقات حيضهن وطهرهن ) نصب على الظرف ، يعني إن كان وقت حيضهن في أول الشهر ، فليكن حيضك في ذلك الوقت . ا ه . وأنت عرفت بما ذكرنا لك أن هذا مبني على مذهب الشافعي من اعتبار المماثلة بالنساء . ( وإن قويت ) هذا هو الأمر الثاني ، بدليل قوله : هذا أعجب الأمرين إلي ، وتعليقه عليه الصلاة والسلام هذا بقوتها ، لا ينافي قوله السابق : وإن قويت عليهما . لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما ، تختار ما شاءت . وهذا لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار الأحب إليه عليه الصلاة والسلام . وقيل : لما خيرها بين الأمرين ، بمعنى إن قويت على الأمرين بما تعلمين من حالك وقوتك ، فاختاري أيهما شئت ، ووصف أحد الأمرين ورأى عجزها عن الإغتسال لكل صلاة ، قال لها : دعي ذلك إن لم تقوي عليه ، وإن قويت الخ . ويفهم من هذا ، أنها إن عجزت عنه أيضا نزل لها رسول الله إلى أيسر وأسهل على قدر الإستطاعة ، وهذا معنى قول الخطابي : لما رأى النبي قد طال عليها وقد جهدها الإغتسال لكل صلاة ، رخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد ، كالمسافر رخص له في الجمع بين الصلاتين . وذهب إلى إيجاب الغسل عليها عند كل صلاة علي وابن مسعود وابن الزبير وبعض العلماء . وذهب ابن عباس بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد . قيل : مذهب ابن عباس أشبه بهذا الحديث ، ومذهب على أقرب وأليق بالفقه . وهذا كلام الشراح . وظاهر الحديث ، التخيير ولذا قال الطحاوي من أئمتنا : ذهب إلى كل قوم ، وهذا عندنا منسوخ ، أو الأمر بالغسل في الصورتين محمول على المعالجة لإزالة قوة الدم وكثرته . وفصل تفصيلا حسنا في مشكلات الآثار . ( على أن تؤخرين الظهر ) أي إلى زمن يسعها وطهارتها ، إذ تأخيرها إلى أقل من ذلك لا يجوز . ( وتعجلين العصر ) أي في أول وقتها ( فتغتسلين وتجمعين ) قال الطيبي : إثبات النون ، في أن تؤخرين وتعجلين وغيرهما ، في مواقع أن المصدرية ، منقول على ما هو مثبت في كتب الأحاديث مع تعسر توجيهها ، إلا أن يقال أن هذه هي المخففة من الثقيلة ، وضمير الشأن مقدر . وقال ابن حجر : الظاهر أنها مصدرية ، لكنها لا تنصبه حملا على ما المصدرية ، ومنه قراءة ابن مجاهد : 16 ( { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ) [ البقرة 233 ] كما أن ما ، قد تنصب حملا على أن ، ومنه : كما تكونوا يولى عليكم في رواية . ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة . ا ه . لكن المفهوم من المعنى أن شرطها أن تقع بعد فعل اليقين ، أو ما نزل منزلته . فيحمل قوله : إن قويت ، على معنى إن علمت من نفسك ، أو ظننت منها القوة والقدرة على ذلك . ( بين الصلاتين ) أي بغسل واحد . ( الظهر والعصر ) بالجر بدل ، ويجوز رفعهما ونصبهما . ( وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ) كما سبق ( ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الفجر فافعلي ) هذا تأكيد ، والشرطية باعتبار المجموع . ( وصومي ) أي في هذه المدة التي تصلي فرضا ونفلا ، ( إن قدرت على ذلك ) بدل من الشرط الأول ، وهو ينصر قول الخطابي على ما تقدم . ( قال رسول الله : وهذا ) أي أمر الإستحاضة ( أعجب الأمرين إلي ) وهما السفر والإستحاضة ، قاله ابن الملك : والظاهر أن الإشارة إلى الأمر الأخير وهو الجمع بين الصلاتين بغسل واحد ، لأن فيه رفقا بها . والأمر الأول هو الإغتسال لكل صلاة ، وأعجب معناه أحب وأسهل والله تعالى أعلم . ( رواه أحمد وأبو داود والترمذي ) .
3
3 ( الفصل الثالث ) 3
صفحه ۲۴۵