جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وكان صلى الله عليه وسلم يغضب من كثرة الأسئلة ويطلب من الناس أن يتركوه ما تركهم، وقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال:
" إن من أشد الناس إثما رجلا سأل عما لم يحرم فحرم لأجل مسألته ".
وقيل هي معينة محدودة بأوصافها وإن لم تذكر أولا، ونحن لا ننازع في تعينها في علم الله سبحانه، ولكن ذلك لا يقتضي تعينها بموجب التشريع الذي خوطبوا به أولا، فلو أنهم قاموا إلى أي بقرة فذبحوها كانوا ممتثلين ويدل على عدم التعين في الحكم الأول والثاني أن موسى عليه السلام كان يستعجلهم امتثال الأمر بقوله: { فافعلوا ما تؤمرون } رغبة منه في مبادرتهم إلى الطاعة وخوفا من أن يفضي بهم تعنتهم في المسألة إلى الإرهاق في التكليف.
واستدل الفخر للقول بتعينها بأن الضمائر المتكررة في قوله: { إنها بقرة } عائدة إلى نفس البقرة التي أمروا بذبحا لأنها جاءت ردا على سؤالهم بقولهم: " ما هي " ، و " ما لونها "؛ وليس في ذلك من دليل لأنهم مأمورون بذبح بقرة في الجملة ومطالبون بأن يسارعوا إلى امتثال هذا الأمر، والأوصاف التي جاءت من بعد ما هي إلا كتخصيص للعمومات المتعبد بها بعد امكان امتثالها، وقد صرح الأصوليون بجواز تخصيص العام بعد العمل بعمومه، وهذا يعني أن التعبد أولا كان بالعموم ثم بخصوصه، ولما كانوا متعبدين بذبح بقرة من جنس البقر - ولكل فرد من هذا الجنس أوصاف يتميز بها - وأخذوا يسألون عن أوصافها ويبالغون في ذلك أعيد الضمير في الجواب الكاشف للأوصاف إلى البقرة التي أمروا بذبحها من غير لوزم بأن تكون البقرة التي خوطبوا بذبحها أولا محددة بهذه الأوصاف.
وتقدم في قوله: { إنما نحن مستهزئون } بيان الهزء، وهو بضم أوله وإسكان الزاي والهمز، وبهذا قرأ حمزة من السبعة وخلف في مختاره من سائر العشرة واسماعيل والقزاز عن عبد الوارث والمفضل، وتتبع الزاي الهاء في الضم، وبذلك قرأ الجمهور، غير أن حفصا خفف الهمزة بإبدالها واوا، والآخرون أثبتوها.
وهو هنا مصدر بمعنى المفعول أي مهزوءا بنا، وذلك للمبالغة كأنهم اعتبروا أمره لهم بذبح البقرة كجعلهم نفس الهزء لكثرة الاستهزاء بهم حسبما اعتقدوا، وأجيز أن يكون على حذف مضاف اي مكان هزء أو ذوي هزء، وإجابتهم هذه لنبيهم على ما أبلغهم إياه من أمر الله دليل على سوء معتقدهم في أنبيائهم حيث أجازوا عليهم الكذب على الله في مقام التبليغ عنه، وهو اعتقاد لا يجامع الإيمان إذ هو كفر صراح، وإن اعتذر لهم من اعتذر بأن ذلك جرى على ما اعتادوه من فضاضة القول الناشئ عن جفاء الطبع، وأن سببه ما رأوه بأنظارهم القاصرة من التباين بين طلبهم من موسى تعيين القاتل ورده عليهم بأن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة، أو أنهم حسبوا هذا الرد دعابة منه عليه السلام لهم، أو أن في الكلام محذوفا تقديره الله أمرك أن تتخذنا هزوا، أو أنهم قصدوا بالاستفهام الاسترشاد لا الإنكار والعناد.
وهذه المعاذير لا تغني فتيلا، ولا داعي إلى أن أشغل الوقت ببيان زيفها.
وجوابه لهم بقوله: { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } يقتضي أن الاستهزاء ليس من شأن العقلاء العالمين وإنما هو من شأن السفهاء الجاهلين فكيف يصدر من نبي مرسل في مقام الدعوة إلى الحق وتبليغ أمر الله، وهو وإن أسند الى الله في قوله: { الله يستهزىء بهم } فليس هو على حقيقته وإنما أريد مجازاتهم على استهزائهم كما سبق، واستعاذته عليه السلام من كونه من الجاهلين في هذا المقام مشعرة بأن الجهل لا ينحصر في عدم المعرفة بالشيء أصلا وهو من شأنه أن يعرف، وفي اعتقاده بخلاف ما هو عليه بل يطلق الجهل على الإتيان بالشيء بخلاف ما كان ينبغي إتيانه، لأنه مما لا يصدر عادة إلا من الجاهلين به وصدوره من العارفين به يلحقهم بمصاف الجاهلين، إذ لا تعد الخبرة بالإتقان مع عدمه شيئا.
ومراده عليه السلام بالجاهلين هنا الجاهلون بأمر الله الذين يهرفون بما لا يعرفون، فيأتون بالهزل في مقام الجد ويلبسون الحق بالباطل، أو الجاهلون بجواب ما سأل عنه بنو إسرائيل من شأن القتيل الذي لم يعلم قاتله، ذلك لأنهم لم تمتد أنظارهم القاصرة إلى بعد خطابه، ولم تصل أفهامهم إلى حقيقة مراده.
وبعد هذا الجواب الجاد انتبهوا إلى أن الأمر بعيد عن الهزل وأدق من أن تدركه مشاعرهم الغليظة، فاستسلموا مع شيء من العناد يتمثل في هذا التقصي في طلب كشف أوصاف البقرة التي أمروا بذبحها، { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، وليس الاستفهام بما هنا عن الماهية، وإنما هو عن أوصافها ذلك لأن ما يستفهم بها عن الصفة كما يستفهم بها عن الماهية، فلو تحدث متحدث عن حاتم فسأله سائل: ما حاتم؟ كان جوابه: كريم، وكذا لو سأل أحد عن الأحنف وهو يعلم أنه من جنس البشر بقوله: ما الأحنف؟ فجوابه : حليم، ولكل شيء أوصاف متعددة يجوز السؤال عن كل منها ب " ما " ، وقد علم الله الوصف الذي هم قاصدوه بهذا الاستفهام الذي منشؤه حيرتهم، من كون معرفة قاتل ميتهم تكون بإماتة حي من جنس البقر، إذ لا علاقة بين الأمرين حسبما يبدو قبل الإطلاع على سر أمر الله، وتتضاعف هذه الحيرة إن كانوا سمعوا من موسى عليه السلام أن بذلك يتم احياء الميت المقتول بضربه بجزء من البقرة المذبوحة، فإن تصور حياة ميت بضربه بجزء من ميت آخر لا يكون مع الالتفات إلى طبيعة تأثير الأسباب في مسبباتها، وإنما يحصل ممن آمن إيمانا مطلقا برب الوجود الذي يهيئ ما شاء من الأسباب لما يشاء من المسببات من غير تقيد بسنة مألوفة ونواميس معروفة، وقد كان استفهامهم عن السن فأجيبوا بقوله: { إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك }.
صفحه نامشخص