566

والظاهر أن الأمر بذبح البقرة لم يكن إلا إثر القتل - كما قال الجمهور - لأن استنكارهم إياه بقولهم: { أتتخذنا هزوا } وتقصيهم في السؤال عن أوصافها كان - حسبما يتبادر - بسبب استغرابهم من مواجهة موسى عليه السلام شكواهم بهذا الأمر الذي لم تستسغه أفهامهم.

واسم البقرة صادق على الذكر والأنثى من أفراد البقر خلافا لمن خصه بالأنثى كاختصاص الثور بالذكر.

وذكر المفسرون خلافا واسعا في هذه القصة ويجمع ما ذكروه أن القاتل كان قريبا للمقتول فطمع أن يرثه لأنه كان ثريا، ومنهم من أضاف إلى ذلك أن المقتول كانت عنده امرأة حسناء فطمع أن ينكحها من بعده، وقيل كانت له ابنة فخطبها إليه فرفض تزويجها منه.

وقولهم: { أتتخذنا هزوا } جوابا لموسى وهو يبلغهم أمر الله دليل على أنهم خلعوا ربقة الإيمان من أعناقهم، إذ ما كان لأمة مؤمنة ولا جماعة مؤمنة أن تقابل نبيها بمثل هذا الجواب الجافي ولو صدر ذلك مما سبق إيمانه لكان في عداد المرتدين، وقيل: لا يعد هذا ارتدادا منهم ولم يكونوا بهذا القول مكذبين لرسول الله موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وإنما ذلك مما تفرزه طبيعتهم الجافية، كقول أحد المنافقين عندما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين " هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ".

والبقرة التي أمروا بذبحها لم تكن مقيدة بما وصفت به بعد من الأوصاف، فلو قاموا إلى أي بقرة فذبحوها لبلغوا المطلوب وحصل لهم الامتثال، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأهم أو لأجزأت عنهم "

أخرجه البزار من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج عنه ابن أبي حاتم وابن مردويه مرفوعا: " لو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم " ، وروي ذلك مرسلا بأسانيد مختلفة، ورواه ابن جرير موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما، وفي هذا ما يدل على أن التنطع في الدين والغلو في التنقيب عما لم يشرع فيه من مكروهات الله تعالى المؤدية إلى التشديد على خلقه، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال "

وفي حديث آخر

" إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم لأنبيائهم واختلافهم عليهم "

صفحه نامشخص