557

وذكر العلامة السيد رشيد رضا أن هذا هو المتبادر من الآية بمعونة السياق إلا أنه جوز أن يكون المراد بالرفع علو الجبل مع رسوخه في الأرض، لأن كل عال يوصف بأنه مرفوع ومرتفع ولو كان متصلا بالأرض، نحو

وفرش مرفوعة

[الواقعة: 34]،

سرر مرفوعة

[الغاشية: 13]، وذكر أن النتق المذكور في سورة الأعراف ليس نصا في كونه رفع في الهواء، لأنه لغة الزعزعة والزلزلة، ثم قال: " وإذا صح هذا التأويل لا يكون منكر ارتفاع الجبل في الهواء مكذبا للقرآن ".

وهذا الذي جوزه صاحب المنار هو الذي عول عليه الإمام ابن عاشور مضعفا ما عداه، وهذا نص قوله: " أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجليا خاصا للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب وردعود وبرق كما ورد في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج، وفي الفصل الخامس من سفر التثنية، فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان والرعود صار يلوح كأنه سحاب، ولذلك وصف في آية الأعراف بقوله: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } (نتقة: زعزعه ونقضه)، حتي يخيل إليهم أنه يهتز ، وهذا نظير قولهم: " استطاره إذا أزعجه فاضطرب، فأعطوا العهد وامتثلوا بجميع ما أمرهم الله تعالى. وقالوا: " كل ما تكلم به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك الى الأبد " ، وليس في كتاب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير ".

وكلامه واضح في أنه التبست عنده قصة بقصة، فجعل القصتين قصة واحدة، وهما اندكاك الطور عندما تجلى له الله بآياته الكبرى، ورفعه فوق بني اسرائيل عندما أخذ عليهم الميثاق، مع أن اختلاف القصتين بين لمن تدبرهما فآية التجلي ذكرت اندكاك الجبل وآيات الميثاق ذكرت رفعه وشتان بين الأمرين، والاستدلال بما عند أهل الكتاب على مقاصد التنزيل غير سديد بعد ثبوت تحريفهم لما أنزل، ولبسهم الحق بالباطل.

ويؤيد قول الجمهور تشبيه الجبل بالظلة - وهي السحابة سميت بذلك لإظلالها من تحتها - فإن هذا التشبيه لا يتفق مع بقاء الجبل مكانه مستقرا في الأرض كما يؤيده أن الرفع لو أريد به ما ذكر من علو الجبل لم تكن فائدة من ذكره في هذا السياق، فإن الجبل بحالته الطبيعية ليس مرفوعا في هذه الحالة فحسب ولا على بني إسرائيل فقط، بل ارتفاعه منذ خلق وفوق كل من يأتي تحته، وما ذكر من ظنهم وقوعه بهم ينفي كل لبس في المعنى ويجتث كل شبهة في التأويل لأن الوقوع لغة هو السقوط، والسقوط المخشي إنما هو سقوط ما كان بالجهة العلوية لا بالجهة المحاذية، ومن ناحية أخرى فإن الجبل مع بقائه على حاله متمكن في الأرض بقراره فيها فلا معنى لظنهم - مع ذلك - أنه واقع بهم.

والنتق يطلق على الرفع بالجذب الشديد الذي تكون معه زعزعة كنتق الغرب.

وأخذ الميثاق هو تكليفهم بمضمون التوراة، وقيل: هو ما دل عليه قوله تعالى:

صفحه نامشخص