555

والإيمان بالله يصدق على الإيمان بذاته وصفاته وأفعاله، ومن أفعاله التي يجب بها الإيمان: بعثه الرسل، وإنزاله الكتب، فيستنتج من هذا دخول أركان الإيمان الستة التي ورد بها حديث جبريل - عليه السلام - في مدلول الإيمان بالله وإنما تلي بذكر الإيمان باليوم الآخر مع أنه من بين هذه الأركان لأهميته، فإنه أقوى العوامل في تقويم المنحرفين ورد الشاردين، وذلك أن الإنسان بإيمانه بالخالق العظيم تنبعث في نفسه بواعث على طاعة هذا الخالق الذي أحسن صنعه وصنع كل شيء، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ولكن مؤثرات شتى - منها نفسي ومنها أجنبي - كثيرا ما تقف بهذه البواعث وتصرف النفس عن الشكر إلى الكفران، وعن الطاعة إلى العصيان، وعن الذكر إلى الغفلة، وعن الهدى إلى الضلالة، فتيار الشهوات العارم قد يقضي على كل أثر للضمير في النفس، وعواصف الغرائز الهوجاء قد تطفئ كل جذوة من العقل، إلا انه اذا آمن مع ذلك بالمعاد الذي يحاسب فيه على ما قدم وأخر، وأسر وأعلن قوي في نفسه جانب عقله وضميره وأمكنته مقاومة شهواته وغرائزه وتذليلها حتى يقتادها في النهج السوي، فتكون منا شيء للرحمة والخير والإحسان، ومن هنا كان المؤمن بالله واليوم الآخر آخذا من حبل الإيمان بطرفيه، وهذه هي حكمة اقترانهما وتكررهما في القرآن والسنة وخصوصا في معرض الأمر أو النهي، وفي مقام الدعوة أو التحذير.

والعمل الصالح أثر من آثار الإيمان لا يمكن انفكاكه عنه كما لا ينفك الظل عن الجسم لأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضيان الانقياد لله في حكمه والإذعان له في أمره، كيف والآمر الناهي هو الله الخالق الكريم الذي منه المبدأ وإليه الرجعى، والذي يجزي كل أحد بما عمل: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره }.

والعمل الصالح ما وافق أمر الله ونهيه فيدخل فيه اجتناب المنهيات لأن الخير لا يجتمع مع ضده، والاكتفاء بإجماله في الآية لمعرفة الفئات المذكورة فيها بتفاصيله بما عندهم من علم الكتاب. وإن من الأعمال الصالحة ما لم تختلف فيه الكتب المنزلة، كإفراد الله بالعبادة، واجتناب كل ما أدى إلى الإشراك به أو أدنى منه، وعون الضعفاء وإغاثة الملهوفين ونصرة المظلومين، ومعاملة الناس بالحسنى.

والأجر: الجزاء، وسمي جزاؤهم أجرا لأنهم أمروا فامثتلوا وحملوا فتحملوا، فكانت أعمالهم كأعمال الأجير الذي يطمع في صاحب العمل أن يوفيه أجره، وكونه { عند ربهم } مما يضاعف طمأنينتهم فإنه في مستودع آمن، وقرار مكين، إذ لا يصل إليه مختلس ولا غادر وإنما يوفيهم إياه ربهم كما وعدهم به.

وقد مضى تفسير الخوف والحزن.

وذكر جماعة من أهل التفسير لنزول الآية سببا، وهو أن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - حدث النبي صلى الله عليه وسلم بخبر أصحابه فقال:

" كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك ويشهدون أنك ستبعث فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا سلمان هم من أهل النار "

فشق ذلك على سلمان فنزلت الآية، وهذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لمعارضته ما ثبت عنه بالنصوص القاطعة أنه لا ينطق عن الهوى ولم يكن ليقول على الله ما لا يعلم، إذ هو مبلغ في أخباره عن الله، فلا يمكن أن يقول عن أحد هو من أهل النار، وليس كذلك، والرواية محكية من طريق السدي وهو معروف بنقل الغرائب التي لا تصح عقلا ولا نقلا، هذا بجانب سقوط أكثر من راو في سندها، ولئن صح كون سؤال سلمان سببا لنزولها فقد نزلت قبل أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، وهذا الذي تفيده رواية ابن أبي حاتم عن سلمان ونحوه عن مجاهد عند الواحدي.

وروى أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ما يدل على أنه يرى الآية منسوخة بقوله تعالى:

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه

صفحه نامشخص