جواهر التفسیر
جواهر التفسير
2) صابئة حران وهي فرقة وثنية ربما لم تكن تعرف هذه الشعيرة على الإطلاق وإنما اصطنعوا هذا الاسم من قبيل الحيطة مبتغين أن ينعموا بالسماحة التي أظهرها القرآن لليهود والنصارى.
وذكر الإمام ابن عاشور أن الأظهر عنده أن أصل كلمة الصابي أو الصابئة أو ما تفرع منها هو لفظ قديم من لغة عربية أو سامية قديمة هي لغة عرب ما بين النهرين من العراق.
ونقل عن بعض علماء الإفرنج زعمه أنهم سموا صابئة لأن دينهم أتى به قوم من سبأ.
وفي بعض آثار أصحابنا أن الصابئين قوم أخذوا ما طاب لهم من التوراة وما طاب لهم من الإنجيل وقالوا قد أصبنا دينا، وظاهر هذا القول أن تسميتهم بالصابئين مأخوذة من قولهم هذا، وعليه ففي حروفه قلب، والأصل صائبون.
وروي عن وهب بن منبه أنه سئل عنهم فقال الذي يعرف الله وحده وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا، ويتفق مع هذا الرأي ما ذهب إليه الأستاذ سيد قطب، وهو أنهم قوم من العرب شكوا في عقيدة الجاهلية فبحثوا لأنفسهم عن عقيدة يرتضونها فاهتدوا إلى التوحيد وقالوا إنهم يتعبدون على الحنيفية الأولى ملة إبراهيم، واعتزلوا عبادة قومهم دون أن تكون لهم دعوة فيهم، فقال عنهم المشركون إنهم صبأوا - أي مالوا عن دين آبائهم - كما كانوا يقولون عن المسلمين بعد ذلك، ومن ثم سموا الصابئة.
وقد كنت أجنح إلى هذا الرأي ترجيحا لأصل المدلول اللغوي للفظ صبأ غير أن وجود طائفة بهذا الاسم معروفة لدى العلماء الذين كتبوا عنهم يرجح أن المقصود به تلك الطائفة، ولست أرى اختلاف الكاتبين عنهم في اصول معتقداتهم وأوصاف عباداتهم إلا ناشئا عن اللبس الحاصل من حالهم بسبب تكتمهم وإخفائهم أصول ديانتهم لئلا تظهر على حقيقتها.
ولكتاب المقالات في الأديان والفرق مجال واسع في الحديث عن الصابئين، وتجد مقالاتهم فيها تلتقي تارة وتفترق تارة أخرى، وملخص ما قيل عنهم أنهم قوم يقدسون الروحانيين، ويتعصبون لهم، معتقدين أن للعالم صانعا حكيما مقدسا عن صفات النقص والحدثان، وأن الوصول الى جلاله مستحيل، فلذلك يتقربون إليه بالمتوسطين الذين يعتقدون أنهم مقربون عنده وهم الروحانيون الذين طهروا تطهيرا، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يتورعون عن وصفهم بالربوبية والألوهية كما يعتقدون شفاعتهم عند الله وهو رب الأرباب، وبجانب ذلك يعتبرونهم متوسطين في الاختراع وتسيير أحوال الكون لاستمدادهم القوة من الحضرة الإلهية، ومنهم يفيض ما يفيض منها على الموجودات السفلية ويعتقدون اختصاص كل من الروحانيين بهيكل معين له فلكه الخاص، ويبدو أنهم يتجهون إلى هذه الهياكل في عبادتهم لاعتقادهم حلول الروحانيين بها، وكونهم منها بمثابة الأرواح من الأجساد، ولذلك قال من قال فيهم: إنهم يعبدون الكواكب، وقال آخرون: يعبدون الملائكة: ويعدون طهارة النفس وتزكيتها بقدر اقترابها من الطبائع الروحانية وتجردها من آثار القوى الغضبية والشهوانية، لأنها تكون بذلك أكثر انسجاما وتآلفا مع الروحانيين الذين يتقربون إليهم، ونسب إليهم أنهم يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام، وإنما المشهور عن أوائلهم أنهم يدعون عند المعلمين الأولين للصابئة هما عادمون وهرمز، وهما شيث بن آدم وإدريس عليهما السلام، ولا يعترفون بنبوة غيرهما، وكانت لهم مملكة بالعراق، فلما ظهر عليها الفرس قضوا على مملكتهم ومنعوهم من عباداتهم، ولعل هذا الذي دعا بعض العلماء إلى القول بأنهم من المجوس، وتسلط الروم على صابئة الشام، فلما تنصر قسطنطين امبراطور الروم حملهم بالسيف على التنصر، وهذا الذي جعلهم في حكم النصارى حتى عوملوا معاملتهم في الإسلام، والنصارى تسميتهم يوحنا نسبة إلى يوحنا المعمدان، وهو يحيى عليه السلام، وذكر ابن حزم أن دينهم الذي ينتحلونه هو اقدم أديان الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه ما أحدثوا فبعث الله إبراهيم عليه السلام، ولئن كان كذلك فهم كانوا على التوحيد إلى أن شابوه بالمعتقدات الضالة، ومن القائلين من قال: إنهم الكلدانيون الذين بعث إبراهيم صلى الله وسلم على نبينا وعليه بدعوتهم إلى الهدى ودين الحق.
وشهرت الصابئة بالحرنانية - نسبة إلى حران على غير قياس - ولعل هذه النسبة خاصة بصابئة الشام لكون حران حاضرتهم، ويحتمل أن تكون سرت إلى غيرهم من الصابئين، وذكر ابن تيمية أن معبدا كبيرا كان لهم تحت جامع دمشق قبلته إلى القطب الشمالي، ويرى ابن تيمية أن الصابئين المعنيين في الآية هم الذين اتبعوا ملة ابراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل ثم دانوا بالتوراة ثم بالإنجيل قبل نسخهما وتبديلهما بخلاف المتمجسين منهم والذين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين كالفلاسفة الذين أنكروا المعاد، أو الذين أنكروه وأنكروا حدوث العالم كأرسطو.
ويومئ كلامه إلى أن فلاسفة أثينا كانوا من الصابئين وأن أسلافهم كانوا من أهل التوحيد.
وعد من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من هؤلاء بالأجر عند ربهم وعدم الخوف والحزن، وفي المراد بقوله: { من آمن } قولان: قيل أريد به من التزم بالعقيدة الصحيحة التي بعث بها النبي المرسل إلى أمته والتزم بما تقتضيه من العمل، وعليه فإن هؤلاء هم الذين درجوا على نهج الرسل السابقين قبل نسخ شرائعهم، وقيل: أريد به من آمن بالنبي الخاتم - صلوات الله وسلام عليه - عندما بعث بالملة الخاتمة والشريعة الجامعة، مصدقا لما أنزل قبله على النبيين - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين - وعليه فالآية نزلت داعية إلى الإيمان به، - صلوات الله وسلامه عليه - وترك التشبث بشيء من الملل والشرائع السابقة بعدما نسخت بما جاء به - صلوات الله وسلامه عليه - وانما خص اليهود والنصارى والصابئون بالذكر من بين سائر أصحاب الملل والديانات لأنهم أجدر بالسبق إلى الإيمان لمعرفتهم بالنبوات وما بقي عندهم من علم الكتاب الذي ينطوي على بشائر جلية ببزوغ شمس الرسالة المحمدية الطاوية لظلام الجهل والشك، وذكر الذين آمنوا قبلهم للحكمة التي أومأت إليها من قبل، وهذا القول الأخير أرجح في نفسي مما قبله.
صفحه نامشخص