551

ومنها أنهم هم الذين نطقوا بالشهادتين لأن ذلك يسمى إيمانا في الظاهر مع غض النظر عن إقرار مضمونها في القلب وتصديقهما بالعمل، واقتصر عليه القطب رضوان الله عليه في الهيميان، وهو كسابقه لأن الإيمان اللساني وحده لا اعتداد به عند الله حتى يطلق على أصحابه وصف الذين آمنوا.

وما ذكرته من أن أتباع النبيين كلهم يصدق عليهم وصف الإسلام والإيمان لا ينافي أن تكون لهم ألقاب أخرى.

وبما حررته في " الذين آمنوا " ينكشف غيم إشكال آخر تصوره بعض أهل التفسير، وهو تقييد الوعد في آخر الآية بالإيمان والعمل الصالح مع أن وصف الذين آمنوا نص في إيمانهم، ومقتض لعملهم الصلاح وهذا الإشكال لا ينشأ على الأقوال الثلاثة التي حكيتها عن المفسرين قبل قليل في المراد بهؤلاء، وقد أدى هذا الإشكال بمن تصوروه إلا الاختلاف في المراد بهذا التقييد، منهم من قال: هو خاص بغير الذين آمنوا وهم الذين هادو والنصارى والصابئون، ومنهم من قال: يراد به في الذين آمنوا الاستمرارية والدوام، وفي غيرهم الإنشاء من جديد، وإذا أدركتم أن المراد بالذين آمنوا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تتصوروا شيئا من هذا الإشكال، كيف وقد وصف الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - وهم قاعدة أمته وعلمها - بأكمل الأوصاف ثم قال فيهم:

وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما

[الفتح: 29]؟ واذا جاز نحو هذا في خير القرون أفلا يجوز في الأمة عموما؟ وتخصيص التقييد ببعض المذكورين دون بعض دعوى لا دليل عليها، وحمله في بعضهم على الاستمرار وفي بعضهم على الإنشاء حمل للفظ على حقيقته ومجازه في إطلاق واحد.

والذين هادوا هم أمة موسى علي السلام، وتسميتهم بذلك مأخوذة من قوله سلام الله عليه:

إنا هدنآ إليك

[الأعراف: 156]، اعتذارا إلى الله من عبادة قومه للعجل، وعليه فإن هاد بمعنى تاب، ووصفوا بذلك لتوبتهم من عبادتهم العجل، وقيل: من هاد بمعنى مال لأنهم كانكوا يتهادون أي يتمايلون عند تلاوتهم التوراة وهو ضعيف ، وقيل سموا بذلك لدينونتهم باليهودية، ويهود تعريب ليهوذا، وهم اسم لأكبر ولد يعقوب عليه السلام فيما قيل، وسمي به السبط الذي ينحدر من سلالته، ويرى الإمام ابن عاشور أن إطلاق هذا الإسم على بني إسرائيل كان بعد موت سليمان عليه السلام عام (975) قبل الميلاد لأن مملكة اسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين، مملكة رحبعام بن سليمان ولم يتبعه إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين وتلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا، وجعل مقر مملكته هو مقر أبيه أورشليم، ومملكة ملكها يوربعام بن مناط غلام سليمان، وكان شجاعا نجيبا فملكته بقية الأسباط العشرة عليهم، وجعل مقر مملكته السامرة، وتلقب بملك إسرائيل إلا انه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدو الأوثان، فلأجل ذلك انفصلوا على الجامعة الإسرائيلة ولم يدم ملكهم في السامرة إلا مائتين ونيفا وخمسين سنة، ثم انقرض على يد ملوك الأشوريين فاستأصلوا الإسرائيلين الذين بالسامرة وخربوها، ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور عبيدا لهم، وأسكنو بلاد السامرة فريقا من الأشوريين، فمن يومئذ لم يبق لبني إسرائيل ملك إلا ملك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناء سليمان عليه السلام، فمنذ ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يهود أي يهوذا، ودام ملكهم هذا إلى حد سنة (120) قبل الميلاد في زمن الامبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود الجلاء الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود، هم ومن التحق بهم من فلول بقية الأسباط.

قال: " ولعل هذا وجه اختيار لفظ { الذين هادوا } في الآية دون اليهود للإشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم يكونوا من سبط يهوذا، ثم صار اسم اليهود مطلقا على المتدينين بدين التوراة.

قال تعالى:

صفحه نامشخص