جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وخطاب بني إسرائيل الذين عاصروا نزول السورة بهذه المنة مع أنها كانت على أسلافهم لأنهم امتداد لهم كما تقدم، وقد علمتم مما تقدم قبل قليل أن المراد بالنظر هنا نظرهم إلى ذلك المشهد الجامع للمعجزة الخارقة، ونعمة إنجائهم وإهلاك عدوهم، فهو بعين البصر، وقيل: بل هو بعين البصيرة، وعليه فهو بمعنى العلم، وقيل: أراد به نظرهم إلى جثث أعدائهم الهامدة بعد أن لفظها البحر:
فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية
[يونس: 92]، والقول الأول هو الصحيح لأن الواو حالية، وفي حال إنجائهم وإهلاك عدوهم كانوا ينظرون إلى المشهد لا إلى الجثث التي لم يلفظها البحر إلا من بعد، ولأن حمل النظر على حقيقته، وهو النظر البصري أولى ما لم تدل على خلافه قرينة.
[2.51-52]
بدء في عرض سيئات بني إسرائيل ومقابلتهم النعمة بالكفران، والبرهان بالنكير والإعراض، والدعوة الصادقة المؤيدة بالمعجزات بالسخرية والاستخفاف، وهكذا كان ديدنهم، فقد عانى منهم موسى عليه السلام الذي أكرمهم الله برسالته فكانت نجاتهم على يديه ما عاناه من الإعنات والشقاق، وكانت نذر الهلاك تحيط بهم من أمامهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم ومن تحتهم، غير أنهم لا يكادون يرعوون عندما يواجهون الشدائد حتى يعودوا إلى غيهم وينقلبوا إلى نزعتهم البغيضة عندما يجدون أدنى متنفس ويبصرون أصغر ثغرة للفرج، فظل موسى عليه السلام بينهم في محنة وبلاء، وعنت وعناء، كما يتضح ذلك في هذه الآية من السورة وغيرها.
والمواعدة مفاعلة، وهي في الأصل لا تكون إلا من جانبين، وقد يعبر بها عما يكون من جانب واحد لما يكون في هذا التعبير من نكتة طريفة وظريفة، ومن هذا الباب
قاتلهم الله
[التوبة: 30]، وعاقبت اللص، وداويت المريض، وقد قرأ الجمهور هنا " واعدنا " لأن الوعد واقع من موسى لربه، كما أنه صادر عن الله تعالى إلى موسى، فكلاهما واعد وموعود، فالله وعد موسى أن يؤتيه الكتاب إذا جاء الى الميقات، وموسى وعد الله المجيء إلى الميقات، ويحتمل أن يكون ذلك من باب داويت المريض كما سبق قريبا، وهذه هي قراءة العشرة ما عدا أبا عمرو، وقرأ أبو عمرو - وهو من السبعة المشهورين - " وعدنا " بحذف الألف، وهي من الوعد، وهذه هي القراءة التي ارتضاها أبو عبيد وأنكر قراءة " واعدنا " وزعم أن المواعدة لا تكون إلا من البشر، أما ما كان من الله فهو وعد نحو
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض
الآية [النور: 55]،
صفحه نامشخص