479

ومما يدعو إلى الاستغراب التناقض الغريب بين كلامي الفخر الرازي فهذا الموضوع، فبينما نجده يقول: " إن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الانسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث أنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم ".

إذا به يجادل بغير هدى من الله مدعيا أن نفي الشفاعة خاص بغير المؤمنين وأعجب من ذلك دعواه أن قوله تعالى:

من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة

[البقرة: 254]، محمول كذلك على هذه الخصوصية، متعاميا عن افتتحاه ب { يأيها الذين آمنوا... } ، وقد كان الجدير بأمثاله من أولي الأقدام الراسخة في العلم والفهم أن لا ينثنوا عن الحقيقة إلى الوهم وأن يترفعوا عن التعصب إلا للدليل نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

والجواب عن الثاني أن ما ذكروه من ثبوت شفاعته صلى الله عليه وسلم الرافعة لدرجات المؤمنين لا يتعارض مع ما دلت عليه هذه الآية حتى يعد مخصصا لها فإن ذلك إنما هو في قوم وفوا بما عليهم من الواجب واحترزوا من المهلكات وتداركوا أمرهم بالتوبة والإفلاع عن مساخط الله تعالى، فليست الشفاعة دارئة عنهم عقابا استحقوه، وإنما غاية ما في الشفاعة لهم طلب أن يزيدهم الله فضلا على فضله الذي آتاهم من قبل أما هذه الآية وأمثالها فهي ناصة على أن كل أحد مجزى بحسب ما عمل، فلا تدرأ الشفاعة عن أحد عقابا استحقه، ولذلك صدرت بالأمر باتقاء ذلك اليوم.

هذا وأجاب صاحب الانتصاف - منتصرا للقول بثبوت الشفاعة لأهل الكبائر - بأن ليس في الآية دليل لمنكريها لأن قوله " يوما " أخرجه منكرا ولا شك أن في القيامة مواطن ويومها معدودة بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة، وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها، منها قوله تعالى:

فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون

[المؤمنون: 101]، مع قوله:

وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون

[الصافات: 27، الطور: 25]، فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين متغايرين أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة.

صفحه نامشخص