جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[هود: 107]، فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟
الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره حكم به أم لا، فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع، فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به، وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة، وكل من النوعين محال على الله تعالى لأنه ارادته تعالى على حسب علمه، وعلمه أزلي لا يتغير.
وبعد هذا التحرير في أصل الشفاعة نقل عن شيخه الإمام محمد عبده قوله: " فما ورد في اثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم وأنها مزية يختص بها الله من يشاء يوم القيامة، عبر عنها بهذه العبارة (الشفاعة) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي ".
وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما: " أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة ويثني على الله بثناء يلهمه يومئذ فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع " ، وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن ارادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة الشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقب دعائه، وليس فيها أيضا ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحد في الآخرة إلا طاعته ورضاه،
فما تنفعهم شفاعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين
[المدثر: 48 - 49]،
ولا يشفعون إلا لمن ارتضى
[الأنبياء: 28].
ولا إشكال في ثبوت الشفاعة المشار إليها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لا تنافي كون الله تعالى لا تبديل لكلماته، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإنما هي كما قيل دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم الذي تتقطع فيه الألسن عن ذكر ما يعني الغير، ولا تشتغل فيه القلوب إلا بما يهم أصحابها، وفي استجابة الله تعالى لدعائه عليه أفضل الصلاة والسلام دلالة على مكانته عنده وعنوان على قدره بين الناس.
هذا وقد ذكر الأستاذ الإمام أن اليهود الذين خوطبوا ببيان هذه الحقيقة كانوا - كغيرهم من أهل الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان - يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلا وجزاء عنه - كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية - أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته، ثم ذكر أن الإسلام اكتسح هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن، ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولقنوه كما ترشد اليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقا والكذب صدقا.
صفحه نامشخص