466

إن بعض الظن إثم

[الحجرات: 12]، إلا أن يحمل ذلك على الظن المتعلق بأمور الآخرة وهو مقتضى ما رواه ابن جرير عن قتادة.

وأبقى جماعة من أهل التفسير ظن هنا على بابها، وحمل ذلك على كونهم يلحظون دائما من أنفسهم التقصير في ذات الحق تعالى، فيظنون أنهم سوف يلاقونه بأوزارهم وهو ما يزيد قلوبهم وجلا ونفوسهم خشوعا، وخلاصة ذلك أنهم لا يأمنون سوء الخاتمة مع مراعاتهم عظم المقام وكثرة التقصير، واختار الإمام محمد عبده أن التعبير بالظن دون اليقين هنا لإفادة التقريع والتوبيخ لأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، ونص كلامه - حسبما في المنار - " الإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده ولو لم يكن الاعتقاد يقينيا فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه أو أنه نافع يطلبه، ولذلك اكتفي هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا (الجلال) باليقين لأنه الإعتقاد المنجي في الآخرة، وفاته أن الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرأون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط ".

ولقاء ربهم يراد به الحشر إليه للحساب، والرجوع إليه، والإنقلاب إلى ما أعده للناس من ثواب أو عقاب، وفسر بعضهم الرجوع بالموت واللقاء بالحشر أو الجزاء، ويضعف تفسير الرجوع بالموت ذكره بعد ذكر الإماتة في قوله:

ثم يميتكم ثم يحييكم

[الروم: 40]

ثم إليه ترجعون

[الروم: 11]، وأولى ما يفسر به القرآن القرآن نفسه.

وحمل بعضهم المفاعلة المفهومة من قوله { ملاقوه } على أنها فعل واحد وهو معروف وضعا، ومنه عافاك الله، وقاتله الله، ورده ابن عطية بأن لقى يتضمن معنى لاقى وليست كذلك الأفعال كلها بل فعل خلاف فاعل في المعنى.

وقد فصل ما أجملته عبارته أبو حيان بقوله: " إن مادة لقى تتضمن معنى الملاقاة بمعنى أن وضع هذا الفعل سواء كان مجردا أو على فاعل معناه واحد من حيث إن من لقيك فقد لقيته، فهو لخصوص مادته يقتضي المشاركة، ويستحيل فيه أن يكون لواحد... الخ ".

صفحه نامشخص