جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[الأنعام: 35]، وهذا هو المعنى المراد هنا، وإنما شقت الصلاة على غير الخاشعين لما تستلزمه من حبس المصلي ظاهره وباطنه عن الالتفات إلى غير ما هو مقبل عليه وتقييد الجوارح عن حركاتها المألوفة، فهي عبادة يشترك فيها الجسم والروح، والعقل والقلب، ولا تدع مجالا للإشتغال بغيرها حال أدائها.
والخشوع لغة التطامن والانخفاض، يقال خشعت الرملة إذا تطامنت، وخشع الجدار إذا نزل، ومنه قول الشاعر:
ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع....
والخشوع الشرعي هو تذليل النفس لله تعالى وحبسها عن التمرد على طاعته والعصيان لأوامره ونواهيه مع استشعارها عظمته التي لا تكتنه، وكبرياءه التي لا تحد، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما الخاشعين بالمصدقين، ومجاهد بالمؤمنين، وأبو العالية بالخائفين، ومقاتل بالمتواضعين، والضحاك بالخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده، وأغلب هذه التفاسير من باب تفسير الشيء بلوازمه، وروى عن سفيان الثوري أنه قال: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري أتريد أن تكون إماما وأنت لا تعرف الخشوع؟ سألت ابراهيم النخعي عنه، فقال: يا أعيمش أتريد أن تكون إماما وأنت لا تعرف الخشوع؟
ليس الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك.
وإنما لم تشق الصلاة على الخاشعين لأنهم يباشرونها وضمائرهم مرتاحة ونفوسهم مشتاقة إلى مناجاة المحبوب والتقرب إليه في مقامات الزلفى، فيجدون فيها من اللذة ما لا يجده أهل الدنيا في أبهج أوقاتهم وأعظم ملاذهم، وإذا كان من شأن عامة الناس أن يحسوا بارتياح نفسي عندما يتقربون إلى ملوك الدنيا ويجالسونهم ويسمعون أحاديثهم، فما بالكم بأهل الله وخاصته عندما يتمتعون بلذيذ مناجاته ويرجون مع ذلك كريم وعده ويتقون أليم وعيده.
وقد وصف الله الخاشعين بقوله: { الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } [البقرة: 46].
أصل الظن الوقوف بين طرفي الأمر سلبا وإيجابا مع ترجيح أحدهما، ومن حيث إن اليوم الآخر لا مساغ للشك فيه والإيمان به أحد ركائز العقيدة في الإسلام، فسر أكثر السلف والخلف الظن هنا باليقين، واستدلوا له بقوله تعالى:
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها
[الكهف: 53]، فإن المقام مقام يقين وليس مقام تردد، وقوله عز من قائل حكاية لما يقوله الفائز يوم الحساب:
صفحه نامشخص