436

[الشرح: 1]، إثبات لشرح صدره، فكذا قوله: { أفلا تعقلون } إثبات لوجود عقل فيهم، ولا ينافي ذلك قوله تعالى حاكيا عن أهل النار:

لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير

[الملك: 10]، فإن مرادهم به العقل الهادي إلى الخير، ويدل عليه قرنه بالسمع مع العلم أنهم لم يكونوا جميعا إيفوا في أسماعهم، والعقل المقصود بقوله: { أفلا تعقلون } هو مطلق العقل المشترك بين الأبرار والفجار، وهو الذي يترتب عليه التكليف، وتقوم به الحجة.

[2.43]

هذا الخطاب كالذي قبله موجه إلى بني إسرائيل في حال إعراضهم عن الإسلام، ومكابرتهم للحق وصدهم عن الإيمان، فهو دليل قاطع على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهم مطالبون بالعبادات وسائر الواجبات العملية، كما أنهم مطالبون بالإيمان، ويدل على ذلك قول الله تعالى:

كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتسآءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخآئضين وكنا نكذب بيوم الدين

[المدثر: 38-46]، فانظروا كيف جمعوا في إجابتهم بين تركهم الصلاة وعدم إطعامهم المسكين، وخوضهم مع الخائضين وتكذيبهم بيوم الدين، ومع هذه النصوص تجد الأشعرية ومن حذا حذوهم ينكرون مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، ويرون أنهم لا يعذبون إلى على عقيدة الكفر وحدها، وقد ركب كثير من علمائهم الشطط في هذه المسألة فشنعوا على القائلين بأن الواجبات العملية مشتركة بين المسلم والكافر، وأن كفر الكافر ليس عذرا في تركها، وتجد مفسريهم كثيرا ما يعنون بالدفاع عن فكرتهم هذه ويرجمون القائلين بخلافها بالتخطئة العنيفة، غير أن أكثرهم عندما وصلوا إلى هذه الآية فبهرتهم حجتها لجأوا إلى الصمت اللهم إلا ما كان من الشيخ أبي منصور الماتريدي الذي حكى عنه الألوسي أنه حمل الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هنا على مجرد الإيمان بهما، ولعمري إن صح تصريف القرآن بمثل هذا التأويل لم تنهض بشيء منه حجة، ولم يثبت بنص منه حكم لاحتمال أن تحمل جميع أوامره ونواهيه على مجرد الإيمان بها لا على تطبيقها والعمل بمقتضاها، وقد استبعد الألوسي نفسه هذا الجواب كما استبعد القول بأن الخطاب موجه إلى المسلمين وليس موجها إلى بني إسرائيل، لما يلزمه من تفكك الجمل وخروج الكلام عن نسقه، فما قبل الآية وما بعدها خطاب لبني إسرائيل فما الذي يقحم وسطه خطاب المسلمين، على أنه مما اتفق عليه أن الأمر لا يعطف على آخر إن كان المأمور في المعطوف غير المأمور في المعطوف عليه إلا مع القرينة نحو

يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك

[يوسف: 29] وقد حصر بعضهم القرينة في النداء كما تقدم، وما يقولونه - من أن المشرك لا يتأتى منه القيام بالعبادات ما دام متلبسا بالشرك فهو إذن غير مخاطب بها - باطل من أساسه، إذ الشرك لا يعدو أن يكون كسائر الموانع التي يمكن التخلص منها، فالحدث الأصغر والأكبر مانعان من الصلاة ولكن لا يعني ذلك أن المحدث غير مخاطب بها، وأنه مخاطب برفع الحدث وحده، بل هو مخاطب بها مع مخاطبته برفع الحدث، وكذا المشرك مطالب بالإيمان والعبادات معا، ولا تسقط عنه العبادات مع تركه الإسلام، لأن الاسلام شرط لصحتها وليس شرطا لوجوبها، ولعله التبس شرط الوجوب بشرط الصحة على إفهام القائلين بعدم تكليف المشركين بفروع الشريعة.

وقد تقدم معنى إقام الصلاة، وأما إيتاء الزكاة فهو إعطاؤها مستحقيها، وهي مأخوذة من زكا الزرع إذ انما، أو من زكا الشيء إذ طهر، فهي نماء للمال لأنها سبب لحلول البركة فيه كما أنها نماء لنفس المزكي لأنها توفر أخلاقه الحميدة، وتضاعف حسناته، وتقيه شرور الدنيا والآخرة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:

صفحه نامشخص