399

[الأعراف: 19] فإن عطفه فيه بالفاء، ولا إشكال في ذلك فإن الواو المطلق الجمع فلا ينافي مدلولها مدلول الفاء، وذهب الفخر الرازي إلى التفرقة بين ما في السورتين، وخلاصة قوله أن المعطوف على الفعل إن كان ذلك الفعل كالشرط له وهو كالجزاء يعطف بالفاء دون الواو كقوله تعالى:

وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا

[البقرة: 58]، فإن الأكل منها متعلق بدخولها فلذلك عطف بالفاء كأنه قال إن دخلتموها أكلتم منها، وعطف بالواو في قوله:

اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم

[الأعراف: 161] لأن الأكل لا يتوقف على السكنى فقد يأكل من البستان من كان مجتازا به، وعليه فإن الأمر بالسكنى في سورة البقرة يراد به الاستمرار في البقاء، وقد ورد بعد أن كان آدم في الجنة، وليس ذلك شرطا للأكل، فلذلك عطف بالواو، والأمر بها في سورة الأعراف ورد قبل دخوله الجنة، فهو محمول على دخولها، والأكل متعلق به فلذلك ورد بالفاء.

وما ذكره يستلزم أن يكون آدم خوطب بذلك مرتين، ولعدم الدليل عليه عدلت عن رأيه إلى ما ذكرته قبل.

وللناس أقوال في الشجرة التي نهيا عنها، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم السنبلة، وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي حميد عنه أنها الكرم وأخرجه ابن جرير عن ابن مسعود، وأخرج أبو الشيخ عنه أنها اللوز، وأخرج ابن جرير عن بعض الصحابة قال هي التينة، وروى عن قتادة، وروي عن أبي مالك أنها النخلة، وقيل غير ذلك، ولا فائدة وراء هذا الاختلاف، وهو ينبئ عن ضعف هذه الأقوال، ولا دليل يمكن به ترجيح أحدها، ومما يستغرب كثيرا تعليل بعضهم تحريم الخمر بكونها من العنب الذي نهى عنه، وما أسخف هذا القول، فإن الخمر إنما حرمت لإسكارها لا لكونها من العنب، ولو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان العنب نفسه قبل استحالته خمرا أجدر بالتحريم، ولكان عصيره حراما ولو لم يسكر، ومن المعلوم أن الخمر ما خامر العقل، فيحرم كل مطعوم أو مشروب هذا شأنه مهما كان أصله، ولعمري إن هذا الإختلاف ليس منشؤه إلا تصديق أهل الكتاب في دعاواهم الكاذبة والثقة بأقوالهم في تفسير كتاب الله، وما عزى إلى الصحابة من ذلك لا يصح عنهم، وقد أغرب قطب الأئمة - رحمه الله - في قوله إن ما روي عن الصحابة في مثل هذا له حكم المرفوع إذا صح، وأني تثبت الصحة مع هذا الاختلاف، وقد علمت مما سلف في مقدمة التفسير أن أقوال أهل الكتاب كان لها أثر على آراء بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تفسير ما لا يتعلق بالعقيدة والأحكام من آي الكتاب، وإن كان أثر ذلك في تفسير التابعين أكثر بكثير، فيكف يصح مع ذلك أن نعطي ما يروى عنهم حكم الرفع وإن ثبتت نسبته إليهم، وقد أبعد بعض المفسرين النجعة فزعم أنها شجرة العلم والصبغة اليهودية بادية على هذا القول، فإن اليهود هم الذين يقولون بأن منشأ طرد الإنسان من رحمة الله، وإقصائه عن دار كرامته أكله من شجرة المعرفة التي ميز بها بين الخير والشر، وإن عجبت فإنني أعجب ممن يتقبل ذلك عنهم ويؤثره في تفسير كتاب الله والقرآن نفسه ينادي بأن فضل الإنسان إنما كان بالعلم الذي فضل به على الملائكة حتى أمروا بالسجود له.

وقد ذكر المفسرون تفصيل قصة الأكل من الشجرة، ومن ذلك أن آدم لم يأكل منها حتى كانت حواء هي البادئة بالأكل، وذلك لا يختلف عما قبله في كونه قولا لم يبن على دليل.

وقد أسرف القرطبي في الاستناد على هذه الحكايات الوهمية حتى أتى شيئا إمرا إذ ادعى أن المعصية لم تتحق بأكل حواء وحدها من الشجرة حتى تبعها آدم فتحققت معصيتهما فكان ما كان من عقاب الله لهما بإخراجهما من الجنة بعدما أريا سوآتهما، ومنشأ قوله بأن المعصية لم تقع حتى أكلا جميعا أن الخطاب بالنهي وجه إليهما معا ولم يخص كل واحد به، وبني على ذلك أن من قال لزوجتيه: إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو لأمتيه إن فعلتما فأنتما حرتان، بأن الطلاق والعتاق لا يقعان حتى يصدر ذلك منهما معا، وأنكر - تبعا لابن العربي - ما يعارض هذا القول لعدم وقوع الشرط وهو دخول الاثنتين كما أن آدم وحواء لم يكونا ظالمين حتى أكلا جميعا من الشجرة مع قوله عز وجل: { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } [البقرة: 35].

وهو كلام جدير بأن يستوقف كل سامع، كيف لا يكون ارتكاب النهي معصية وظلما حتى يقع ذلك من كل من وجه إليهم الخطاب إذ لا فرق بين صيغة التثنية وصيغة الجمع في مثل هذا؟ ويترتب على هذا القول ان لا يصدق حكم المعصية على أحد حتى يرتكب الناس كلهم ما نهوا عنه ما دام الخطاب بالنهي موجها إليهم جميعا فيجوز لكل زان أن يعتذر عما ارتكب بأنه غير عاص ما لم يزن جميع الذين خوطبوا بقوله تعالى:

صفحه نامشخص