389

وأغرب من هذا كله أن يستسيغ السيد رشيد رضا مثل هذا التأويل في الملائكة والشياطين مع إصراره في تفسير الآيات المتشابهات على إجرائها بحسب ظاهرها تمسكا بمذهب السلف - حسبما يقول - مع أن ذلك يؤدي قطعا إلى تشبيه الله بمخلوقاته كما يؤدي إلى إقرار التناقض في القرآن وهو ما لا يصح عقلا ولا نقلا، وتأويل المتشابهات بحملها على ما تقتضيه القرائن من المعاني المقصودة بها هو الذي يتفق مع سنن الكلام العربي الذي يدل على المقصود تارة بطريق الحقيقة وأخرى بطريق المجاز وهو ضروري لإبعاد تهمة التناقض عن كلام الله، كما سنبينه إن شاء الله في موضعه.

هذا وكما لا يصح تفسير الملائكة بما ذكره الإمام من أنهم القوى الخيرية وراء هذه الكائنات يتعذر أيضا ما قاله من تفسير إبليس أو الشيطان بالقوة التي تأبت على الإنسان وهي القوة التي لزها الله بهذا العالم لزا، وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكامل إلى النقص - الخ. فإن ذلك مناف لما ذكره الله من صفات إبليس والشياطين في كتابه وما جاء من ذلك من حديث رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وكفى بما ذكره الله في قصة آدم شأ، إبليس وتأبيه عن السجود لآدم،وما كان بينه وبين الله من مقاولة شاهدا على بطلان هذا التأويل، وقد ذكر الله أن إبليس من جنس الجن كما ذكر أن الجن جنس قسيم لجنس الإنس، وأنهم متعبدون كما تعبد الإنس، وذلك في قوله تعالى:

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

[الذاريات: 56] قوله:

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن

[الأنعام: 112]، وقوله:

قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار

[الأعراف: 38]، وقال في سليمان الذي سخر له الجن كما سخر له الإنس:

وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون

[النمل: 17]، وحكى ما أجابه به عفريت من الجن في قصة عرش بلقيس إذ قال:

صفحه نامشخص