388

وخلق الجآن من مارج من نار

[الرحمن: 15]، والنور مشتركان في عالمنا الأرضي المحسوس في كونهما لا يقوم أحدهما بنفسه، وإنما يتوقف وجودهما على وجود جرم آخر كثيف يتلبسان به، غير أن الله عز وجل الذي جعلهما في هذا العالم بهذه الصفة قادر على جعلهما في ما وراء العالم المحسوس بصفة أخرى، وعلينا أن نؤمن بما أخبر به أو أخبر به رسوله الأمين عليه افضل الصلاة والسلام.

ولا يلزم من تفسير جمهور الأمة للملائكة أن نعرف أين مساكن ملائكة الأرض وتحديد أمكنتها، وبيان موقع من يكون منهم عن اليمين ومن يكون عن اليسار، ورؤية أجسامهم النورانية تضيء في الظلام كما قال الإمام محمد عبده، فإننا مع تسليمنا بما جاء به الوحي نعترف بالعجز عما طوى الله علمه عنا، ونعلم أن طبيعة اتصال الملائكة بنا تختلف عن طبيعة اتصال بعضنا ببعض، وإذا كان الله عز وجل ميز طبائع بعض الموجودات في عالمنا عن بعض أفلا يكون ما أوجده وراء هذا العالم أجدر بأن تتميز طبيعته، وأن تختلف أحواله، فنحن هنا على ظهر الكرة الأرضية نسبح في خضم من الهواء يحيط بنا من أعلانا، وأمامنا، وخلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، غير أننا لا نشعر بملامسته لأجسادنا مع كونه جسما لطيفا، وإنما نحسن به في سرعة جرينا، وفي حالة اضطرابه، هذا مع العلم بأن الهواء أهم عنصر مادي في قوام أجسادنا، ولا يمكننا الاستغناء عنه لحظة واحدة.

واذا كنا نسلم أن للشيطان تأثيرا على البشر في الإغواء والإضلال ولا يحس أحد بحرارة أجسامهم مع خلقهم من نار، وإنما يحس بآثار وحيهم عندما تميل نفسه إلى جانب الشر وتنزع إلى الباطل والفساد، فما المانع من أن يكون اتصال الملائكة بالبشر لا تحس معه طبائعهم الخلقية على أننا نقول: إن تأثير كلا النوعين على الناس هو تأثير روحاني بما أودع الله فيهما من قوى لا يمكننا تصورها، واذا كان البشر مع كونهم أجساما كثيفة يمكن لبعضهم أن يؤثر على بعض تأثيرا نفسيا بما يسمى التنويم المغناطيسي حتى بمجرد حديث في الهاتف، فما بالك بالملائكة والشياطين مع ما اختصوا به من قدرات لم تعط للإنسان... وانت تعجب فاعجب للسيد رشيد رضا إذ قال - في تعليق له على المنار بعد إيراده انتقاد الإمام لتعريف الملائكة بأنهم أجسام نورانية قابلة للتشكل - ما نصه: " هذا هو التعريف المشهور في كتب الكلام، وأول ما يعترض به عليه أنه لا يصح فيه معنى الجسم في اللغة، ولكنه صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما ". إذ تجده يستنكر هذا التعريف للملائكة ويقول بعدم صحته لغة بينما تجده في تعليقه على كتاب " الوحي المحمدي " يثبت خرافة لا يصدقها العقل السليم ولا يقرها النقل الصحيح إذ قال ما نصه: " قال بعض من شاهد في فرنسا روح امرأة تجسدت: إنها ظهرت أولا بشكل بخار أو ضباب، ثم تكاثف فكانت جسدا تام الجمال في ثوب أبيض فسألها أن تعطيه قطعة من ثوبها فسمحت له، فقصها فلم تلبث أن تكون مثلها في موضعها، ثم عرضها على معارض النسج في باريس وسألهم هل يود مثل هذا النسيج المهلهل؟ قالوا " لا " ولكن يمكن إيجاده إذا طلب ".

فانظر كيف أثبت تطور الروح مما هي عليه إلى بخار أو ضباب حتى صارت جسما تام الجمال... الخ ما ذكره، فبالله عليكم هل صاحبة الروح كانت حية أو ميتة؟ فإن كانت حية فكيف يمكن انفصال روحها عن جسدها مع استمرار حياتها؟ وإن كانت ميتة فأنى لأحد سلطان على الروح وهي من أمر ربي؟ وقد قال تعالى:

الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى

[الزمر: 42]، فكيف يمكن لأحد أن يسترد ما أمسكه الله؟ ويقول سبحانه:

وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا

[مريم: 98]، ولم يقف السيد رشيد رضا عند هذا الحد بل أتبع هذه الخرافة الأوروبية بخرافة صوفية تحسب على الإسلام خصوصا عندما يقرها مثله في كتابه فقد قال عقب ما تقدم: " وهذا مثل ما يحكيه صوفيتنا عن الذين يتجردون من أجسادهم تارة ويتشكلون كابن عربي ومنهم قضيب البان الذي طلب مرة فوجد مالئا للبيت الذي كان فيه حتى يتعذر خروجه بجسده ذاك، ثم صغر فخرج، ومن لم يصدق هذا من علماء الكيمياء لأنه لم يشاهد مثله لا ينكر إمكانه ".

فانظر أليس ما نسبه إلى قضيب البان من هذا التحول هو التشكل الذي استبعده من الملائكة؟ فكيف يثبت لإنسان خلق مطبوعا بالطبائع البشرية ما ينفيه عن الملائكة الذين أوتوا من القوى الغيبية ما لم يؤته أحد سواهم. ونجده في الوحي المحمدي يصرح بثبوت التشكل للمؤمنين في الدار الآخرة إذ يقول: " ويؤخذ مما ورد في الآيات والأحاديث النبوية من صفة حياة الآخرة أن القوى الروحية تكون هي الغالبة والمتصرفة في الأجساد فتكون قادرة على التشكل بالصور اللطيفة وقطع المسافات البعيدة في المدة القريبة، والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة وأهل النار ".

صفحه نامشخص