380

[الصافات: 158] مع أن العرب كانت تزعم أن الملائكة بنات الله فاستظهروا من ذلك أنهم المقصودون بالجنة، وجوز بعضهم أن تكون كان بمعنى صار وهو يعني انتقاله بعد الطرد والمسخ من الصفات الملكية إلى صفات الجن الشيطانية فلذلك جاز عليه ما لم يجز على الملائكة، وأما خلقته من نار فلا تنافي - عندهم - أن يكون كالملائكة مخلوقا من النور لأن النار من طبيعتها الإنارة.

وما أوهى هذه الردود وأخفى حجتها فإن الأدلة ظاهرة في كون الجن جنسا موازيا للإنس وليس من الملائكة، ولا يبعد أن يكون مشركو العرب قالوا فيهم ما قالوه في الملائكة من وجود النسب بينهم وبين الله تعالى عما يقولون، فلا يدل قوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } على قصد الملائكة بذلك، وقد قال غير واحد من المفسرين: إن المراد بالجنة هنا الجان لا الملائكة، والنار وأن كان من شأنها الإنارة فإن خاصيتها المعروفة هي الإحراق، فالجن خلقوا منها متلبسين بهذه الخاصية المزعجة، أما الملائكة فهم مخلوقون من النور والنور لا يلزم تلبسه بالإحراق كما هو معروف على أن قوله تعالى في سورة الكهف:

كان من الجن ففسق عن أمر ربه

واضح في أن فسقه ناشئ عن كونه من الجن.

والقول الفصل في هذا المسألة هو ما قاله الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو أن إبليس كان مع الملائكة بصورته مع اختلاف عنصره عنهم فهو من نار وهم من نور، وأن النافي لكونه من الملائكة، والمثبت لم يتواردا على محل واحد، وبهذا يرجع القولان إلى قول واحد.

وجمل { أبى واستكبر وكان من الكافرين } مستأنفة استئنافا بيانيا لتبيان سبب خروجه عن الملائكة بعصيانه أمر الله واعتراضه عليه وذلك أن من شأن مثل هذا الخبر أن يثير تساؤلا في نفوس سامعيه، كيف لم يمتثل إبليس أم ربه مع الحاقه إياه بالملأ الأعلى وتأثره بالصفات الملكية وإن لم يكن منهم؟ وتوجيه الخطاب إليه ضمن خطاب الملائكة في قوله: { اسجدوا } على أن من طبيعة المخلوق التأثير بالمقارن، وكراهة شذوذ الفرد عن الجماعة، وفي هذه الجمل الإجابة عن هذه التساؤلات كلها.

معنى الإباء والاستكبار

والإباء الامتناع عن الشيء لكراهته، ويستعمل فيما اذا كان الامتناع والكراهة لترفع الأبي عن المأبى عنه، والاستكبار والتكبر بمعنى غير أن الاستكبار يشعر لفظه بالمبالغة في طلب الكبر وهو جبلة ذميمة تدع النفس تركن إلى اعتقادها أنها أرفع من المتكبر عليه وهذا يعين أن الكبر لا يكون إلا مع وجود المتكبر والتكبر والمتكبر عليه مع داعية الكبر وإن كانت وهمية، ومن هنا يختلف عن العجب فإنه يتوقف على المعجب وداعية العجب فقط.

وذهب بعض المفسرين إلى أن المعطوفات هنا لم تأت على نسق ترتبها الواقعي، فإن الكفر سابق على الاستكبار، والاستكبار سابق على الإباء، فكان من حق الترتيب أن يقال كان من الكافرين واستكبر وأبى، ورده الإمام محمد عبده بأن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة في الذكر، فإنه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولا لأنه المقصود بالذات وهو الإباء، ثم يذكر سببه وعلته وهو الإستبكار، ثم يأتي بالأصل في العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر.

وذهب بعضهم إلى أن " كان " هنا بمعنى " صار " ، وقائل ذلك نظر إلى أن صيرورته إلى الكفر إنما كانت بسبب إبائه واستكباره، ورده ابن فورك قائلا: إن الأصول ترده، وانتصر له ابن عاشور بأن استعمال كان بمعنى صار نوع من أنواع استعمالها كما في قوله تعالى:

صفحه نامشخص