جواهر التفسیر
جواهر التفسير
نعم الله توجب شكره:
وقد أثير الاستغراب من كفر هؤلاء بالله تعالى مع تضافر الأدلة على وحدانيته، وتوفر الدواعي إلى شكره، وأبرز ذلك إخراج الإنسان من العدم إلى الوجود، ونقله من الموت إلى الحياة، فقد كان ميتا لأن عناصره كانت منبثة في طبقات الأرض الجامدة والسائلة والغازية، ثم أخذت تتدرج في الأطوار، وتتنقل إلى أن كون الله منها الغذاء الذي تكون منه الدم فحول الله منه ما يشاء إلى مني دافق يتدرج هو أيضا بعد استقراره في الرحم من طور إلى آخر حتى يخرج منه هذا الكائن الذي نفخ الله فيه من روحه، وأفاض عليه من نعمه، وأكمل حواسه ومشاعره، وبوأه - بما اختصه به من مزية العقل والعلم - مكان الخلافة في الأرض والسيادة في الكون، فإن تفكيره في أمره داع إلى الإيمان والشكر، فجدير بالإستغراب منه إخلاده إلى الكفر واتباعه مسالك الضلال، وهو معنى ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم قالوا في تفسير الآية: { كنتم أمواتا } أي ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة أخرى.
وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى: { ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } وهو مروي عن أبي العالية والحسن ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني.
وإطلاق الموت على ما لم تسبق له الحياة قيل هو حقيقة، وقيل مجاز، وفرق آخرون بين ما كان من شأنه الحياة كالحيوان والنبات، وما كان بخلاف ذلك كالجماد، وعلى هذا الإختلاف يتخرج الاختلاف هنا. وللحكماء في تفسير الموت نظريات عول عليها بعض المفسرين، ولا أرى التعويل عليها لأن الله هو الذي خلق الموت والحياة، وهما من أسرار غيبه التي لم يعرفنا بها، ولم يكن قول الحكماء صادرا عن قواعد ثابتة، وإنما عولوا على مجرد أنظار تخطئ وتصيب.
واختلف في ترتيب هاتين الموتتين، وهاتين الحياتين، وقد علمت ما قاله المفسران الصحابيان الجليلان وتابعهما عليه جماعة من مفسري التابعين فمن بعدهم، وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم أن المراد بالإحياء الأول إخراجهم من ظهر آدم كأمثال الذر حين أخذه الميثاق منهم، ثم أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة - وهو كما قال ابن جرير - يلزمه تكرر كل من الإحياء والإماتة ثلاث مرات مع أن المنصوص عليه مرتان، وروي عن ابن عباس: كنتم أمواتا فأحياكم؛ أمواتا في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، وذهب بعضهم إلى أن الموتة الأولى هي عبارة عن انفصال النطفة من أجسام الآباء لأن ما انفصل من حي فهو ميت، وذهب جماعة إلى أن الموت هنا عبارة عن الغفلة، والحياة هي النباهة بعدها، أي كنتم غافلين فنبهكم، وهو مردود لأمرين: أولهما أن المخاطبين لم ينفكوا عن غفلتهم ما داموا لم يبرحوا كفرهم.
ثانيهما: أنهم وعدوا بالإماتة والإحياء كرة أخرى، وهو شاهد على أن الحياة والموت المذكورين حسيان وليسا بعقليين، وقيل: إن الحياة الثانية هي حياة القبر عندما يحيى الميت لسؤال الملكين.
والصحيح من هذه الأقوال أولها، وهو الذي صححه كل من ابن جرير وابن كثير، وجنح إليه جم غفير من المفسرين، وهو لا ينافي سؤال الملكين في القبر، فإن تلك حياة تختلف عن التي سبقتها في الدنيا والتي تليها في الآخرة، كما لا ينافي ذلك تكرار الإحياء والإماتة في بعض الناس أكثر من ذلك كالسبعين الذين اصطحبهم موسى إلى الميقات، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، فإن الخطاب للعامة ولهؤلاء حكم خاص، ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء كانوا قبل نزول الآية، والمخاطبون فيها هم المعاصرون لنزولها، والذين يأتون من بعدهم.
والعطف بالفاء في قوله { فأحياكم } لعدم الفاصل بين كونهم أمواتا وإحيائهم، أما العطف بثم بعد ذلك فللمهلة بين الإحياء والإماتة بعده، وبين الإماتة والإحياء الثاني.
والمراد بالرجوع إما الاجتماع في الموقف، أو الاستقرار في إحدى الدارين، لأن في كلا الأمرين رجوعا إلى الله تعالى، وكل ما ذكر هنا شاهد على عظمة الخالق وقدرته، وإحاطته بكل شيء، فهو حقيق بأن يعبد ولا يكفر، وأن يطاع ولا يعصى.
ولا يقال إن مشركي العرب كانوا ينكرون البعث، فكيف يحتج عليهم بما ينكرون لأن توفر الدلائل وقيام الشواهد - من خلق الناس أنفسهم وخلق الكون - على إمكان النشأة الثانية - إذ ليست أعجب من النشأة الأولى - كاف في دحض الشبه التي يتشبثون بها في إنكار البعث.
صفحه نامشخص