337

نحن أبناء الله

[المائدة: 18]، وهم وإن آمنوا باليوم الآخر فإنهم يعتقدونه حسب تصوراتهم الخاطئة التي لا تتفق مع ما وصفه الله به، وقد قال الله فيهم:

قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور

[الممتحنة: 13].

وقد علمتم مما سبق أن الخطاب في { ياأيها الناس.. } موجه إلى عموم الطوائف الثلاث المذكورة من قبل، وهي المؤمنون والكفار والمنافقون، وهذا هو الذي درج عليه ابن عاشور نفسه، كما علمتم أن الصحيح أن المنكرين للمثل هم كل الذين كفروا بما أنزل الله، ولم يكن ذلك محصورا في اليهود كما ذهب إليه ابن عاشور، مستدلا بوصفهم أنهم ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه إلى آخره. لأن هذا الوصف ينطبق على جميع الكفار، فقد وصف الله به قريشا في سورة الرعد حيث قال:

والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار

[الرعد: 25].

أما مناسبة اتحاد العلل التي اقترن بها الأمر بالعبادة في قوله: { ياأيها الناس } وإنكار ضدها وهو الكفر في قوله هنا { كيف تكفرون } فهي لا تدل على ترابط الخطابين لأن هذه العلل صالحة لأن يقرن بها كل كلام يدعو إلى العبادة والإيمان، أو يحذر من الكفر والعصيان.

و { كيف } موضوعة للإستفهام وهو طلب الفهم غير أنه هنا متعذر لأن العليم بخفيات الأمور ليس من شأنه الإستفهام، وإنما هي بمعنى الإنكار والتوبيخ والتعجيب، وذلك أن المنكر عندما يطلب الجواب من المنكر عليه في أمر بين فساده إنما يريد بذلك قطع عذره، وكثير من المفسرين تسامحوا فقالوا إنها هنا بمعنى التعجب، وحقيقة التعجب مستحيلة على الله تعالى لأنه لا ينشأ إلا عن الجهل، واللائق بالتأدب مع الله أن يقال إنها للتعجيب؛ أي لحمل السامعين على التعجب، اللهم إلا إن قصدوا بالتعجب التعجيب لما يكون أحيانا من التعاقب بين التفعل والتفعيل لما بينهما من رباط السببية.

والأصل في الإستفهام بكيف أن يكون عن الحال، وكذا إن استعملت في الإنكار ونحوه إلا أن إنكار الحال يقتضي إنكار ما تلبس بها بطريق البرهان، فالمنكر هنا نفس الكفر لأنه لا بد أن يكون على حال من الأحوال، وهو منكر على أي حال، لأن الدواعي متضافرة على خلافه، وقد سبق الحديث عنه وعن نقيضه - الإيمان - فلا داعي إلى التكرار.

صفحه نامشخص