إرشاد القلوب
إرشاد القلوب
ثم قال: معاشر المسلمين إن هذه المواضع المذكورة لعمي العباس، فعلى من يغير عليه أو يبدل أو يمنعه أو يظلمه لعنة الله ولعنة اللاعنين ثم ناوله الكتاب، فلما ولي عمر وفتح هذه المواضع المذكورة أقبل إليه العباس بالكتاب، فلما نظر فيه دعا رجلا من أهل الشام وسأله عن الملعب، فقال: يزيد ارتفاعه على عشرين ألف درهم، ثم سأل عن النواحي الاخر، فذكر له ان ارتفاعها يقوم بمال كثير، فقال: يا أبا الفضل إن هذا مال كثير لا يجوز لك أخذه من دون المسلمين، فقال العباس: هذا كتاب رسول الله يشهد لي بذلك قليلا أو كثيرا، فقال عمر: لا والله إن كنت تساوي المسلمين في ذلك وإلا فارجع من حيث أتيت.
فجرى بينهما كلام كثير غليظ، فغضب عمر وكان سريع الغضب، وأخذ الكتاب من العباس ومزقه وتفل فيه، ورمى به وجه العباس وقال: والله لو طلبت مني جنة واحدة ما أعطيتك.
فأخذ العباس بقية الكتاب وعاد إلى منزله حزينا كئيبا باكيا شاكيا إلى الله تعالى وإلى رسوله، فصاح العباس بالمهاجرين والأنصار، فغضبوا لذلك وقالوا: يا عمر تخرق كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتلقى به إلى الأرض، هذا شيء لا نصبر عليه، فخاف عمر أن ينخرم عليه الأمر فقال: قوموا بنا إلى العباس نسترضيه ونفعل معه ما يصلحه.
فنهضوا بأجمعهم إلى دار العباس، فوجدوه موعوكا لشدة ما لحقه من الغبن والألم والظلم، فقال: نحن في الغداة عائدوه إن شاء الله ومعتذرون إليه من فعلنا، فمضى غد وبعد غد ولم يعد إليه ولا اعتذر منه، ثم فرق الأموال على المهاجرين والأنصار، وبقى كذلك إلى أن مات.
ولو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، وهذا القدر فيه عبرة لاولي الألباب.
وأما صاحبهما الثالث فقد استبد أيضا بأخذ الأموال ظلما على ما تقدم به
صفحه ۳۸۸