قسموا آراءهم فيه، ولم يقابلوه بالضحك (^١) واللعب. فدل على أن الذي ضحكوا منه ولعبوا هو ذكر غير القرآن (^٢).
والجواب الثاني أن يقال: لو سمعنا أنه أراد بالذكر هاهنا القرآن لم يجب كونه مخلوقًا لوصفه بالمحدث لأن المحدث ضد القديم، وقد أخبر الله سبحانه عن بعض المخلوقات أنه قديم بقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (^٣)، فلما جاز في (^٤) المخلوقات ما سمى قديمًا كان في القديم ما يسمى محدثًا ولا يكون مخلوقًا.
والجواب الثالث: إن المحدث يقع في اللغة على الواضح الجلي، ولهذا تقول العرب: أحدث السَيْقَل (^٥) السيف والمرآة إذا جلاهما، وقال جرير (^٦):
ضربت عند الأمام فاُرعشت … يداك وقالوا محدث غير صارم (^٧)
أي جلي غير قاطع.
(^١) في - ح- (إلا بالضحك) ولا معنى لـ (إلا).
(^٢) لعل مراد المصنف هذا بقوله: (إن قريشًا كانوا إذا سمعوا القرآن قسموا رأيهم فيه) الإشارة إلى قول الله ﷿: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ الحجر آية ٠٩٠ - ٩١) حيث ذكر ابن حجر ﵀ عدة اقوال في المراد بالمقتسمين منها: أن المراد بها رهط من قريش عضنوا كتاب الله أي قالوا في القرآن إنه شعر وسحر وما اشبه ذلك. انظر: تفسير ابن جرير ١٤/ ٦٣ - ٦٦، وذكر هذا المعنى بنحو ما هو هنا الباقلاني في كتاب التمهيد ص ٢٨٠.
(^٣) يس آية (٣٩).
(^٤) في الأصل (بالمخلوقات) وما أثبت من - ح- وهو أصوب.
(^٥) السيقل لغة من (الصيقل) بالصاد وهو أفصح وهو الذي يصقل السيوف ونحوها أي يشحذها. انظر في معنى أحدث: اللسان ٢/ ٧٩٨، وفي معنى سقل ٣/ ٢٠٤١، وفي معنى صقل ٤/ ٢٤٨٣.
(^٦) جرير بن عطية الخطفي من بني تميم الشاعر المشهور توفي سنة (١١٠ هـ). البداية والنهاية ٩/ ٢٩٢.
(^٧) انظر: شرح ديوان جرير لمحمد بن إسماعيل الصاوي ص ٥٦٣.