قال مجاهد: "الأنبياء على ثلاثة أصناف: نبي أوحي إليه بقلبه فحفظ عن الله، وداود ﵇ إنما حفظ الوحي بقلبه ثم زبره بكتبه ومعنى زبره أي أتقنه. ونبي كلمه الله من وراء حجاب وهو موسى ﵇. ونبي أرسل الله إليه رسولًا وهو جبريل فيوحي بإذنه ما يشاء وهو نبينا محمد ﷺ، وقد كان جبريل يأتي إلى بعض الأنبياء في منامه وكان يأتي النبي ﷺ في اليقظة كما يأتي الرجل صاحبه" (^١).
وموضع الدليل لنا من هذه الآية: لو كان كلام اله لا يؤخذ إلا مخلوقًا لم يكن للنفي في (^٢) هذه المعاني معنى (^٣).
ويقال للأشعري إذا قرأ آية من القرآن هذا قول الله أم قول البشر؟ فإن قال: هو قول الله فقد رجع إلى ما عليه السلف وأهل الحق. وإن قال: بل هو قول البشر (^٤)، قلنا عن ذلك أجوبة:
(^١) لم أقف على من عزاه إليه مسندًا.
(^٢) في - ح- (للبشر).
(^٣) يعني أن الآية تثبت أن تكليم الله للرسل إنما هو على ثلاثة أنحاء، فلو كان كلام الله مخلوقًا لا حاجة إلى هذا التقسيم حيث يكون التناول من طريق واحد وهو إرسال الرسول.
(^٤) هذا لازم مذهب الأشاعرة وقد صرح به كما تقدم متأخروهم، وممن صرح بذلك الجويني قال في معنى إنزال القرآن "إن جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - أدرك كلام الله تعالى وهو في مقامه فوق سبع سموات، ثم نزل إلى الأرض فأفهم الرسول ﷺ ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام". الإرشاد ص ١٣٠. معنى هذا الكلام أن جبريل أدرك بطريقة ما معاني مختلطة فأفهم الرسول ﷺ هذه المعاني وعبر عنها النبي ﷺ بما سماه قرآنًا، فعلى هذا هو قول البشر وعليه لا فرق عندهم بين ما تكلم به النبي ﷺ من بيان الشرع وهو وحي من الله، وما يتكلم به على أنه قرآن سوى أنه يسمي هذا قرآنًا وذاك لا يسميه قرآنًا.
ويوضح الإيجي هذا بصراحة أكثر حيث يقول عند قول المعتزلة في الكلام: "وقالت المعتزلة أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي ﷺ وهو حادث. وهذا لا ننكره ولكنا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس". المواقف للإيجي ص ٢٩٤.