549

وكانوا يختارون للترسيم عليه الأغلظ فالأغلظ فما دخل عليه ذو غلظة إلا خضع له وفعل نقيض ما أمر به، فلبث -عليه السلام-[537] في السجن من سنة أربع وتسعين وسبعمائة إلى سنة إحدى وثماني مائة، وفي هذه المدة خرج القاضي سليمان والسيد علي بن الهادي بتوجه من أقاربهم وبقي الفقيه الفاضل أحمد بن موسى -رحمه الله- حتى توفي محبوسا مقيدا، وكان له في كل أسبوع ختمة، لأنه كان متغيبا للقرآن مع الفقه الغزير، وكانوا منعوا من دخول شيء من الكتب وآلة الكتابة إليه -عليه السلام- في السجن وغرضهم أن ينسى ما قد كان علمه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره وألهمه الله تعالى إلى اختصار الكتاب الذي قد كان جمعه في الفقه فاستقصى في الخلاف بين المذاكرين فحذف الخلاف وجمع ما صححه لمذهب الهادي -عليه السلام- في لفظ وجيز واضح المعنى.

وكان يلقى على السيد علي بن الهادي عبارته وهو يكتبها في أبواب المجلس المسمورة عليهم ومداده جص يأخذه من الجدار إلى شقف من مدر ويكتب بعود فإذا استغرق الباب نقل الذي فيه جميعا حتى صار غيبا ثم يمحوه ويكتب غيره حتى تم الكتاب و[كمل] (1) محفوظا غيبا غير مكتوب في كتاب قدر حولين كاملين، ما وضع في كاغد حتى خرج السيد علي بن الهادي وهو متغيب له فكتبه، وسمي كتاب (الأزهار في(2) فقه الأئمة الأطهار) فاستحب به كل من رآه فانتشر انتشارا كليا، ثم سخر الله الخدم الرقباء عليه وساعدوا إلى إدخال آلة الكتابة من كاغد ومداد، فشرع في كتاب (الأنوار في الآثار الواردة بمسائل الأزهار) حتى أتمه، ثم أخذ في جمع شرح الأزهار المسمى ب(الغيث المدرار) فجمعه حتى انتهى إلى كتاب البيع، ولما اهتدى الرقباء إلى طاعته اجتهدوا في التعلم لكتاب الله متكتمين ثم بذلوا جهدهم في إخراجه من السجن -عليه السلام- فأخرجوه في ليلة الاثنين الخامس عشر من شهر شعبان بين العشائين من تلك الليلة.

صفحه ۶۴۸