515

La Incoherencia de la Incoherencia

تهافت التهافت

قولهم ان العلوم العقلية تحل النفوس الانسانية وهى محصورة وفيها آحاد لا تنقسم فلا بد وان يكون محلها أيضا لا ينقسم وكل جسم فمنقسم فدل ان محله شىء لا ينقسم . ويمكن ايراد هذا على شرط المنطق باشكاله ولكن أقربه ان يقال ان كان محل العلم جسما منقسما فالعلم الحال فيه أيضا منقسم لكن العلم الحال غير منقسم فالمحل ليس جسما وهذا هو قياس شرطى استثنى فيه نقيض التالى فينتج نقيض المقدم بالاتفاق فلا نظر فى صحة شكل القياس ولا أيضا فى المقدمتين فان الاول قولنا ان كل حال فى منقسم ينقسم لا محالة بفرض القسمة فى محله وهو أولى لا يمكن التشكك فيه والثانى قولنا ان العلم الواحد يحل فى الآدمى وهو لا ينقسم لانه لو انقسم الى غير نهاية كان محالا وان كان له نهاية فيشتمل على آحاد لا محالة لا تنقسم وعلى الجملة نحن نعلم أشياء ولا نقدر ان نفرض زوال بعضها وبقاء البعض من حيث انه لا بعض لها على مقامين المقام الاولا ان يقال بم تنكرون على من يقول محل العلم جوهر فرد متحيز لا ينقسم وقد عرف هذا من مذهب المتكلمين . ولا يبقى بعده الا استبعاد وهو انه كيف تحل العلوم كلها فى جوهر فرد وتكون جميع الجواهر المطيفة به معطلة مجاورة والاستبعاد لا خير فيه اذ يتوجه على مذهبهم أيضا انه كيف تكون النفس شيئا واحدا لا يتحيز ولا يشار اليه ولا يكون داخل البدن ولا خارجه ولا متصلا بالجسم ولا منفصلا عنه . الا انا لا نؤثر هذا المقام فان القول فى مسألة الجزء الذى لا يتجزى طويل ولهم فيه أدلة هندسية يطول الكلام عليها ومن جملتها قولهم جوهر فرد بين جوهرين هل يلاقى أحد الطرفين منه عين ما يلاقيه الآخر او غيره فان كان عينه فهو محال اذ يلزم منه تلاقى الطرفين فان ملاقى الملاقى ملاق وان كان ما يلاقيه غيره ففيه اثبات العدد والانقسام وهذه شبهة يطول حلها وبنا غنية عن الخوض فيها فلنعدل اى المقام الآخر المقام الثانى ان نقول ما ذكرتموه من ان كل حال فى جسم فينبغى ان ينقسم باطل عليكم بما تدركه القوة الوهمية من الشاة من عداوة الذئب فانها فى حكم شىء واحد لا يتصور تقسيمه اذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر ادراك بعضه وزوال بعضه وقد حصل ادراكها فى قوة جسمانية عندكم فان انفس البهائم منطبعة فى الاجسام ولا تبقى بعد الموت وقد اتفقوا عليه فان امكنهم ان يتكلفوا تقدير الانقسام فى المدركات بالحواس الخمسة وبالحس المشترك وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم تقدير الانقسام فى هذه المعانى التى ليس من شرطها ان تكون فى مادة فان قيل الشاة لا تدرك العداوة المطلقة المجردة عن المادة بل تحرك عداوة الذئب المعين المشخص مقرونا بشخصه وهيكله . والقوة العاقلة تدرك الحقائق مجردة عن المواد والاشخاص قلنا الشاة قد ادركت لون الذئب وشكله ثم عداوته فان كان اللون ينطبع فى القوة الباصرة وكذا الشكل وينقسم بانقسام محل البصر فالعداوة بما ذا تدركها فان ادرك بجسم فلينقسم وليت شعرى ما حال ذلك الادراك اذا قسم وكيف يكون بعضه اهو ادراك لبعض العداوة [فكيف يكون لها بعض] او كل قسم ادراك لكل العداوة فتكون العداوة معلومة مرارا بثبوت ادراكها فى كل قسم من أقسام المحل . فاذا هذه شبهة مشكلة لهم فى برهانهم فلا بد من الحل فان قيل هذه مناقضة فى المعقولات والمعقولات لا تنقض فانكم مهما لم تقدروا على الشك فى المقدمتين وهو ان العلم الواحد لا ينقسم وان ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم لم يمكنكم الشك فى النتيجة والجواب ان هذا الكتاب ما صنفناه الا لبيان التهافت والتناقض فى كلام الفلاسفة وقد حصل به اذ انتفض به احد الامرين اما ما ذكروه فى النفس الناطقة او ما ذكروه فى القوة الوهمية . ثم نقول هذه المناقضة تبين انهم غفلوا عن موضع يلتبس فى القياس ولعل موضع الالتباس قولهم ان العلم منطبع فى الجسم انطباع اللون فى المتلون وينقسم اللون بانقسام المتلون فينقسم العلم بانقسام محله والخلل فى لفظ الانطباع اذ يمكن ان لا تكون نسبة العلم الى محله كنسبة اللون الى المتلون حتى يقال انه منبسط عليه ومنطبع فيه ومنتشر فى جوانبه فينقسم بانقسامه فلعله نسبة العلم الى محله على وجه آخر وذلك الوجه لا يجوز فيه الانقسام عند انقسام المحل بل نسبته اليه كنسبة ادراك العداوة الى الجسم ووجوه نسبة الاوصاف الى محلها ليست محصورة فى فن واحد ولا هى معلومة التفاصيل لنا علما نثق به فالحكم عليه دون الاحاطة بتفصيل النسبة حكم غير موثوق به . وعلى الجملة لا ينكر ان ما ذكروه مما يقوى الظن ويغلبه وانما ينكر كونه معلوما علما يقينيا لا يجوز الغلط فيه ولا يتطرق اليه الشك وهذا القدر يشكك فيه

Página 550