512

La Incoherencia de la Incoherencia

تهافت التهافت

[1] والخوض فى هذا يستدعى شرح مذهبهم فى القوى الحيوانية والانسانية والقوى الحيوانية تنقسم عندهم الى قسمين محركة ومدركة والمدركة قسمان ظاهرة وباطنة - والظاهرة هى الحواس الخمس وهى معان منطبعة فى الاجسام اعنى هذه القوى - واما الباطنة فثلاث احديها القوة الخيالية فى مقدم الدماغ وراء القوة الباصرة وفيه تبقى صور الاشياء المرئية بعد تغميض العين بل ينطبع فيها ما تورده الحواس الخمس فتجتمع فيه ويسمى الحس المشترك لذلك ولولاه لكان من رأى العسل الابيض ولم يدرك حلاوته الا بالذوق فاذا رآه ثانيا لا يدرك حلاوته ما لم يذق كالمرة الاولى ولكن فيه معنى يحكم بان هذا الابيض هو الحلو فلا بد وان يكون عنده حاكم قد اجتمع عنده الامران اعنى اللون والحلاوة حتى قضى عند وجود احدهما بوجود الآخر والثانية القوة الوهمية وهى التى تدرك المعانى وكان القوة الاولى تدرك الصور والمراد بالصور ما لا بد لوجوده من مادة أى جسم والمراد بالمعانى ما لا يستدعى وجوده جسما ولكن قد يعرض له أن يكون فى جسم كالعداوة والموافقة فان الشاة تدرك من الذائب لونه وشكله وهيئته وذلك لا يكون الا فى جسم وتدرك أيضا كونه مخالفا لها وتدرك السخلة شكل الام ولونها ثم تدرك موافقتها وملايمتها ولذلك تهرب من الذئب وتعدو خلف الام والمخالفة والموافقة ليس من ضرورتها ان تكون فى الاجسام [لا كاللون والشكل ولكن قد يعرض لها ان تكون فى الاجسام] أيضا فكانت هذه القوة مباينة للقوة الثانية وهذا محله التجويف الاخير من الدماغ واما الثالثة فهى القوة التى تسمى فى الحيوانات متخيلة وفى الانسان مفكرة وشانها ان تركب الصور المحسوسة بعضها مع بعض وتركب المعانى على الصور وهى فى التجويف الاوسط بين حافظ الصور وحافظ المعانى ولذلك يقدر الانسان على أن يتخيل فرسا يطير وشخصا رأسه رأس انسان وبدنه بدن فرس الى غير ذلك من التركيبات وان لم يشاهد مثل ذلك والاولى ان تلحق هذه القوة بالقوى المحركة كما سياتى لا بالقوى المدركة وانما عرفت مواضع هذه القوى بصناعة الطب فان الآفة اذا نزلت بهذه التجويفات اختلت هذه الامور ثم زعموا ان القوة التى تتطبع فيها صور المحسوسات بالحواس الخمس تحفظ تلك الصور حتى لا تذهب بعد القبول والشىء يحفظ الشىء لا بالقوة التى بها يقبل فان الماء يقبل ولا يحفظ والشمع يقبل برطوبته ويحفظ بيبوسته بخلاف الماء فكانت الحافظة بهذا الاعتبار غير القابلة فتسمى هذه قوة حافظة وكذلك المعانى تتطبع فى الوهمية وتحفظها قوة تسمى ذاكرة فتصير الادراكات الباطنة بهذا الاعتبار اذا ضم اليها المتخيلة خمسة كما كانت الظاهرة خمسة واما القوى المحركة فتنقسم الى محركة على معنى انها باعثة على الحركة والى محركة على معنى انها مباشرة للحركة فاعلة والمحركة على انها باعثة هى القوة النزوعية الشوقية وهى التى اذا ارتسم فى القوة الخيالية التى ذكرناها صورة مطلوب أو مهروب عنه بعثت القوة المحركة الفاعلة على التحريك ولها شعبتان شعبة تسمى قوة شهوانية وهى قوة تبعث على تحريك يقرب به من الاشياء المتخيلة ضرورية او نافعة طلبا للذة وشعبة تسمى قوة غضبية وهى قوة تبعث على تحريك يدفع به الشىء المتخيل ضارا أو مفسدا طلبا للغلبة وبهذه القوة يتم الاجماع التام على الفعل المسمى ارادة واما القوة المحركة على انها فاعلة فهى قوة تنبعث فى الاعصاب والعضلات من شانها أن تشنج العضلات فتجذب الاوتار والرباطات المتصلة بالاعضاء الى جهة الموضع الذى فيه القوة أو ترخيها وتمددها طولا فتصير الرباطات والاوتار الى خلاف الجهة . فهذه قوى النفس الحيوانية على طريق الاجمال وترك التفصيل فاما النفس العاقلة للاشياء المسماة بالناطقة عندهم والمراد بالناطقة العاقلة لان النطق اخص ثمرات العقل فى الظاهر فنسبت اليه فلها قوتان قوة عالمة وقوة عاملة وقد تسمى كل واحدة عقلا ولكن باشتراك الاسم . فالعاملة قوة هى مبدأ محرك لبدن الانسان الى الصناعات المرتبة الانسانية المستنبط ترتيبها بالروية الخاصة بالانسان . وأما العالمة فهى التى تسمى النظرية وهى قوة من شأنها ان تدرك حقائق المعقولات المجردة عن المادة والمكان والجهات وهى القضايا الكلية التى يسميها المتكلمون احوالا مرة ووجوها أخرى وتسميها الفلاسفة الكليات المجردة . فاذا للنفس قوتان بالقياس الى جنبتين القوة النظرية بالقياس الى جنبة الملائكة اذ بها تاخذ من الملائكة العلوم الحقيقية وينبغى ان تكون هذه القوة دائمة القبول من جهة فوق . والقوة العملية لها بالنسبة الى أسفل وهى جهة البدن وتدبيره واصلاح الاخلاق وهذه القوة ينبغى ان تتسلط على سائر القوى البدنية وأن تكون سائر القوى متأدبة بتأديبها مقهورة دونها حتى لا تنفعل ولا تتأثر هى عنها بل تنفعل تلك القوى عنها لئلا يحدث فى النفس من الصفات البدنية هيآت انقيادية تسمى رذائل بل تكون هى الغالبة ليحصل للنفس بسببها هيآت تسمى فضائل فهذا ايجاز ما فصلوه من القوى الحيوانية والانسانية وطولوا بذكرها مع الاعراض عن ذكر القوى النباتية اذ لا حاجة الى ذكرها فى غرضنا. وليس شىء مما ذكروه مما يجب انكاره فى الشرع فانها امور مشاهدة اجرى الله تعالى العادة بها وانما نريد ان نعترض الآن [على دعو هم معرفة كون النفس جوهرا قائما بنفسه ببراهين العقل ولسنا نعترض] اعتراض من يبعد ذلك من قدرة الله تعالى او يرى ان الشرع جاء بنقيضه بل ربما يتبين فى تفصيل الحشر والنشر ان الشرع مصدق له ولكنا ننكر دعواهم دلالة مجرد العقل عليه والاستغناء عن الشرع فيه فلنطالبهم بالادلة ولهم فيه براهين كثيرة بزعمهم

Página 546