480

La Incoherencia de la Incoherencia

تهافت التهافت

[16] قال ابو حامد وهو التحكم البعيد جدا قولهم انه اذا تصور الحركات الجزئية تصور ايضا توابعها ولوازمها وهذا هوس محض كقول القائل ان الانسان اذا تحرك وعرف حركته ينبغى أن يعرف ما يلزم من حركته من موازاة ومجاورة وهو نسبته الى الاجسام التى فوقه وتحته ومن جوانبه وانه اذا مشى فى شمس ينبغى ان يعلم المواضع التى يقع عليها ظله والمواضع التى لا يقع وما يحصل من ظله من البرودة يقطع الشعاع فى تلك المواضع وما يحصل من الانضباط لاجزاء الارض تحت قدمه وما يحصل من التفرق فيها وما يحصل فى اخلاطه فى الباطن من الاستحالة بسبب الحركة الى الحرارة وما يستحيل من جزائه الى العرق وهلم جرا الى جميع الحوادث فى بدنه وفى غيره من بدنه مما الحركة علة فيه أو شرط أو مهيئ او معد وهو هوس لا يتخيله عاقل ولا يغتر به الا جاهل والى هذا يرجع هذا التحكم . على انا نقول هذه الجزئيات المفصلة المعلومة لنفس الفلك هى الموجودة فى الحال أو ينضاف اليها ما يتوقع كونها فى الاستقبال فان قصرتموه على الموجود فى الحال بطل اطلاعه على الغيب واطلاع الانبياء فى اليقظة وسائر الخلق فى النوم على ما سيكون فى الاستقبال بواسطته ثم بطل مقتضى الدليل فانه تحكم بان من عرف الشىء عرف لوازمه وتوابعه حتى لو عرفنا جميع أسباب الاشياء لعرفنا جميع الحوادث المستقبلة وأسباب جميع الحوادث حاضرة فى الحال فانها هى الحركة السماوية ولكن تقتضى المسبب اما بواسطة أو بوسائط كثيرة . واذا تعدى الى المستقبل لم يكن له آخر فكيف يعرف تفصيل الجزئيات فى الاستقبال الى غير نهاية وكيف يجتمع فى نفس مخلوق فى حالة واحدة من غير تعاقب علوم جزئية مفصلة لا نهاية لاعدادها ولا غاية لآحادها ومن لا يشهد له عقله باستحالة ذلك فلييأس من عقله . فان قلبوا علينا هذا فى علم الله تعالى فليس تعلق علم الله بالاتفاق بمعلوماته على نحو تعلق العلوم التى هى للمخلوقات بل مهما دار نفس الفلك دورة نفس الانسان كان من قبيل نفس الانسان فانه شاركه فى كونه مدركا للجزئيات بواسطة فان لم يلتحق به قطعا كان الغالب على الظن انه من قبيله فان لم يكن غالبا على الظن فهو ممكن والامكان يبطل دعواهم القطع بما قطعوا به فان قيل حق النفس الانسانية فى جوهرها ان تدرك ايضا جميع الاشياء ولكن اشتغالها بنتائج الشهوة والغضب والحرص والحقد والحسد والجوع والالم وبالجملة عوارض البدن وما يورده الحواس عليه حتى اذا اقبلت النفس الانسانية على شىء واحد شغلها عن غيره . واما النفوس الفلكية فبرية عن هذه الصفات لا يعتريها شاغل ولا يستغرقها هم وألم واحساس فعرفت جميع الاشياء قلنا وبم عرفتم انه لا شاغل لها وهلا كانت عبادتها واشتياقها الى الاول مستغرقا لها وشاغلا لها عن تصور الجزئيات المفصلة أو ما الذى يحمل تقدير مانع آخر سوى الغضب والشهوة وهذه الموانع المحسوسة ومن اين عرف انحصار المانع فى القدر الذى شاهدناه من أنفسنا وفى العقلاء شواغل من علو الهمة وطلب الرئاسة ما يستحيل تصوره عند الاطفال ولا يعتقدونها شاغلا ومانعا فمن اين يعرف استحالة ما يقوم مقامها فى النفوس الفلكية هذا ما أردنا ان نذكره فى العلوم الملقبة عندهم بالالهية

[17] قلت اما استبعاده ان يكون ههنا عقل برىء من المادة يعقل الاشياء بلوازمها الذاتية على جهة الحصر لها فليس امتناعه من الامور المعروفة بانفسها ولا ايضا وجوب وجوده من الامور المعروفة بانفسها لكن القوم اعنى الفلاسفة يزعمون انه قد قام البرهان عندهم على وجود عقل بهذه الصفة .

Página 506