Tafsir Al-Sha'rawi
تفسير الشعراوي
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23]. لقد اعترف آدم: حكمك يا رب حكم حق، ولكني ظلمت نفسي. ولكن إبليس عارض في الأمر وقال:
أأسجد لمن خلقت طينا
[الإسراء: 61]، فكأنه رد الأمر على الآمر. وبعد ذلك حين بين الله الحكم في الربا، وبين أن من انتهى له ما سلف، فماذا عن الذي يعود؟ { ومن عاد } [البقرة: 275] وهي المقابل { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 275]، يريد سبحانه أن يقول: إياكم أن يخدعكم الربا بلفظه، فالألفاظ تخدع البشر لأنكم سميتموه " ربا " بالسطحية الناظرة: لأن الربا هو الزيادة، والزكاة تنقص، فالمائة في الربا تكون مائة وعشرة مثلا حسب سعر الفائدة، وفي الزكاة تصبح المائة 97.5، في الأموال وعروض التجارة، وتختلف عن ذلك في الزروع وغيرها، وفي ظاهر الأمر أن الربا زاد، والزكاة أنقصت، ولكن هذا النقصان وتلك الزيادة هي في اصطلاحاتكم في أعرافكم. والحق سبحانه وتعالى يمحق الزائد، وينمي الناقص فهو سبحانه يقول: { يمحق الله الربا ويربي الصدقات... }.
[2.276]
وكلمة " يمحق " من " محق " أي ضاع حالا بعد حال، أي لم يضع فجأة، ولكن تسلل في الضياع بدون شعور، ومنه " المحاق " أي الذهاب للهلال. " ويمحق الله الربا " أي يجعله زاهيا أمام صاحبه ثم يتسلل إليه الخراب من حيث لا يشعر. ولعلنا إن دققنا النظر في البيئات المحيطة بنا وجدنا مصداق ذلك. فكم من أناس رابوا، ورأيناهم، وعرفناهم، وبعد ذلك عرفنا كيف انتهت حياتهم. { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } [البقرة: 276] ويقول في آية أخرى:
ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله..
[الروم: 39]. فإياكم أن تعتقدوا أنكم تخدعون الله بذلك.. ما هو المقابل؟
ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون
[الروم: 39]. و " المضعفون " هم الذين يجعلون الشيء أضعافا مضاعفة. وعندما يقول الحق: { يمحق الله الربا } [البقرة: 276] فلا تستهن بنسبة الفعل لله إن نسبة الفعل لفاعله يجب أن تأخذ كيفيته من ذات الفاعل، فإذا قيل لك: فلان الضعيف يصفعك، أو فلان الملاكم يصفعك، فلابد أن تقيس هذه الصفعة بفاعلها، فإذا كان الله هو الذي قال: { يمحق الله } [البقرة: 276]. أيوجد محق فوق هذا؟ لا، لا يمكن. وأيضا حين يقول الله: { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } [البقرة: 276] في القرآن الذي يتلى وهو معجز ومحفوظ ومتحدي بحفظه، فهذه قضية مصونة { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } [البقرة: 276] لأن الذي قالها هو الله في كتاب الله المحفوظ، الذي يتلى متعبدا به، أي أن القضية على ألسنة الجماهير كلها، وفي قلوب المؤمنين كلها، أيقول الله قضية يحفظها ذلك الحفظ ليأتي واقع الزمن ليكذبها؟ لا، لا يمكن. فالإنسان لا يحفظ إلا المستند الذي يؤيده!! أنا لا أحفظ إلا " الكمبيالة " التي تخصني! فما دام هو حافظه وهو القائل:
Página desconocida