Tafsir Al-Sha'rawi
تفسير الشعراوي
يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون
[آل عمران: 130]. إن هذا القول الحكيم لم يجئ إلا ليبين الواقع الذي كانوا يعيشونه، ولم يستثن الله ضعفا أو أضعافا لأن الحق جعل التوبة تبدأ من أن يأخذ الإنسان رأس ماله فقط، فلا يسمح الله لأحد أن يأخذ نصف الضعف أو الضعف أو الضعفين، ولا يسمح بالأضعاف ولا بالمضاعفات. وكانوا يتعللون أن اتفاق الطرفين على أي أمر يعتبر تراضيا ويعتبر عقدا. قد يكون ذلك صحيحا إن لم يكن هناك مشرع أعلى من كل الخلق يسيطر على هذا التراضي. فهل كلما تراضى الطرفان على شيء يصير حلالا؟ لو كان الأمر كذلك لكان الزنا حلالا: لأنهما طرفان قد تراضيا. وكل ذلك لا يتأتى - أي رضاء الطرفين - إلا في الأمور التي ليس فيها تشريع صدر عن المشرع الأعلى، وهو الله الحي القيوم. إن الله قد فرض أمرا يقضي على التراضي بيني وبينك لأنه هو المسيطر، وهو الذي حكم في الأمر، فلا تراضي بيننا فيما يخالف ما شرع الله أو حكم فيه.
وإذا نظرنا نظرة أخرى فإننا نجد أن التراضي الذي يدعونه مردود عليه. إنه " تراض " باطل بالفحص الدقيق والبحث المنطقي. لماذا؟ لأننا نقول إن التراضي إنما ينشأ بين اثنين لا يتعدى أمر ما تراضيا عليه إلى غيرهما، أما إذا كان الأمر قد تعدى من تراضيا عليه إلى غيرهما فالتراضي باطل. فهب أن واحدا لا يملك شيئا، وواحدا آخر يملك ألفا، والذي يملك ألفا هي ملكه، وأدار بها عملا من الأعمال، وحين يدير صاحب الألف عملا فالمطلوب له أجر عمله ليعيش من هذا الأجر. أما الذي لا يملك شيئا إذا ما أراد أن يعمل مثلما عمل صاحب الألف، فذهب إلى إنسان وأخذ منه ألفا ليعمل عملا كعمل صاحب الألف، فيشترط من يعطيه هذه الألف من الأموال أن يزيده مائة حين السداد، فيكون المطلوب من الذي اقترض هذه الألف أجر عمله كصاحب الألف الأول ومطلوب منه أيضا أن يزيد على أجره تلك المائة المطلوبة لمن أقرضه بالربا. فمن أين يأتي من اقترض ألفا بهذه المائة الزائدة؟ إن سلعته لو كانت تساوي سلعة الآخر فإنه يخسر. وإن كانت سلعته أقل من سلعة الآخر فإنها تكسد وتبور. إذن فلا بد له من الاحتيال النكد، وهذا الاحتيال هو أن يخلع على سلعته وصفا شكليا يساوي به سلعة الآخر، ويعمد إلى إنقاص الجواهر الفعالة في صنعة سلعته، فيحسب منها ما يوازي المائة المطلوب سدادها للمرابي. فن الذي سيدفع ذلك؟ إنه المستهلك. إذن فالمستهلك قد أضير بهذا التراضي فهو الذي سيغرم لأنه هو الذي يدفع أخيرا قيمة قرض الرجل المتاجر بالسلعة وقيمة النسبة الربوية التي حددها المرابي. إذن فالعقد بين المقترض والمرابي حتى في عرفهم - عقد باطل رغم أن الاثنين - المقترض والمرابي - قد اعتبرا هذا العقد تراضيا. إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يشيع في الناس الرحمة والمودة. وأن يشيع في الناس التعاطف. إنه الحق - سبحانه - صاحب كل النعمة أراد أن يشيع في الناس أن يعرف كل صاحب نعمة في الدنيا أنه يجب عليه أن تكون نعمته متعدية إلى غيره، فإن رآها المحروم علم أنه مستفيد منها، فإذا كان مستفيدا منها فإنه لن ينظر إليها بحقد، ولا أن ينظر إليها بحسد، ولا يتمنى أن تزول لأن أمرها عائد إليه. ولكن إذا كان السائد هو أن يريد صاحب النعمة في الدنيا أن يأخذ بالاستحواذ على كل عائد نعمته، ولا يراعي حق الله في مهمة النعمة، ولا تتعدى هذه النعمة إلى غيره، فالمحروم عندما يرى ذلك يتمنى أن تزول النعمة عن صاحبها وينظر إليها بحسد.
ويشيع الحقد ومعه الضغينة، ويجد الفساد فرصة كاملة للشيوع في المجتمع كله. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسيطر على الاقتصاد عناصر ثلاثة: العنصر الأول: الرفد والعطاء الخالص، فيجد الفقير المعدم غنيا يعطيه، لا بقانون الحق المعلوم المفروض في الزكاة، ولكن بقانون الحق غير المعلوم في الصدقة، هذا هو الرفد. العنصر الثاني: يكون بحق الفرض وهو الزكاة. العنصر الثالث: هو بحق القرض وهو المداينة. إذن فأمور ثلاثة هي التي تسيطر على الاقتصاد الإسلامي: إما تطوع بصدقة، وإما أداء لمفروض من زكاة، وإما مداينة بالقرض الحسن، وذلك هو ما يمكن أن ينشأ عليه النظام الاقتصادي في الإسلام. ولننظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى حين عرض هذه المسألة وبشع هيئة الذين يأكلون الربا بأنهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ويصرعه الشيطان من المس. لماذا؟ لأن الحق قال فيهم: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } [البقرة: 275] فهل الكلام في البيع ، أو الكلام في الربا؟ إن الكلام في الربا. وكان المنطق يقتضي أن يقول: " الربا كالبيع " ، فما الذي جعلهم يعكسون الأمر؟ إن النص القرآني هنا يوحي إلى التخبط حتى في القضية التي يريدون أن يحتجوا بها. كأنهم قالوا: ما دمت تريد أن تحرم الربا، فالبيع مثل الربا، وعليك تحريم البيع أيضا. وكان القياس أن يقولوا: " إنما الربا مثل البيع " ، لكن الحق سبحانه أراد أن يوضح لنا تخبطهم فجاء على لسانهم: إنما البيع مثل الربا فإن كنتم قد حرمتم الربا فحرموا البيع، وإن كنتم قد حللتم البيع فحللوا الربا. إنهم يريدون قياسا إما بالطرد، وإما بالعكس. فقال الله القول الفصل الحاسم: { وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى.. } [البقرة: 275] وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ".
إنها موعظة من الله جاءت، الموعظة إن كانت من غير مستفيد منها، فالمنطق أن تقبل - بضم التاء - أما الموعظة التي يشك فيها، فهي الموعظة التي تعود على الواعظ بشيء ما. فإذا كانت الموعظة قد جاءت ممن لا يستفيد بهذه الموعظة، فهذه حيثية قبولها { فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى } [البقرة: 275]، ولنر كلمة " ربه " حينما تأتي هنا فلنفهم منها أن المقصود بها الحق سبحانه الذي تولى تربيتكم، ومتولي التربية خلقا بإيجاد ما يستبقي الحياة، وإيجاد ما يستبقي النوع، ومحافظة على كل شيء بتسخير كل شيء لك أيها الإنسان، فيجب أن تكون أيها الإنسان مهذبا أمام ربك فلا توقع نفسك في اتهام الرب الخالق في شبهة الاستفادة من تلك الموعظة - معاذ الله -.
لماذا؟ لأن الخالق رب، وما دام الخالق ربا فهو المتولي تربيتكم، فإياك أيها الإنسان أن تتأبى على عظة المربي. { فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف } [البقرة: 275] ومعنى ذلك أن الأمر لن يكون بأثر رجعي فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم تلك هي الرحمة، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يكون المرابي قد رتب حياته ترتيبا على ما كان يناله من ربا قبل التحريم، فإذا كان الأمر كذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يعفو عما قد سلف. وعلى المرابي أن يبدأ حياته في الوعاء الاقتصادي الجديد. تلك هي عظمة التشريع الرباني { فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله } [البقرة: 275] أي أن له ما سبق وما مضى قبل تحريم الربا. وتفيد كلمة " وأمره إلى الله " أن الله سبحانه وتعالى حينما يعفو عما سلف فله طلاقة الحرية في أن يقنن ما شاء، فيجب أن تتعلق دائما باستدامة الفضل من الله. " وأمره إلى الله " إن مثل هذا الإنسان ربما قال: سأنهار اقتصاديا ومركزي سيتزعزع، وسأصبح كذا وكذا. لا. اجعل سندك في الله، ففي الله عوض عن كل فائت، هو سبحانه لا يريد أن يزلزل مراكز الناس، ولكن يريد أن يقول لهم: إنني إن سلبتكم نعمتي فاجعلوا أنفسكم في حضانة المنعم بالنعمة. وما دمت قد جعلت نفسك في حضانة المنعم بالنعمة، إذن فالنعمة لا شيء لأن المنعم عوض عن هذه النعمة، والربا من السبع الموبقات التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باجتنابها حيث قال:
" اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات "
{ وأمره إلى الله ومن عاد } [البقرة: 275] أي عاد بعد الموعظة ماذا يكون أمره؟ { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 275]. وكان يكفي أن يقول عنهم: إنهم { أصحاب النار } [البقرة: 275] فلعل واحد يكون مؤمنا وبعد ذلك عاد إلى معصية، فيأخذ حظه من النار. إنما قوله: { هم فيها خالدون } [البقرة: 275] يدل على أنه خرج عن دائرة الإيمان. وافهم السابق جيدا لتفهم التذييل اللاحق لأن هنا أمرين: هنا ربا حرمه الله، وأناس يريدون أن يحللوا الربا عندما قالوا: { إنما البيع مثل الربا } [البقرة: 275]، فإن عدت إلى الربا حاكما بحرمته فأنت مؤمن عاص تدخل النار. إنما إن عدت إلى ما سلف من المناقشة في التحريم، وقلت: البيع مثل الربا ، وناقشت في حرمة الربا وأردت أن تحلله كالبيع فقد خرجت عن دين الإسلام. وحين تخرج عن دين الإسلام فلك الخلود في النار. ومن هنا يجب أن نلفت الذين يقولون بالربا، ونقول لهم: قولوا: إن الربا حرام، ولكننا لا نقدر على أنفسنا حتى نبطله ونتركه، وعليكم أن تجاهدوا أنفسكم على الخروج منه حتى لا تتعرضوا لحرب الله ورسوله.
إنهم باعتقادهم أن الربا حرام يكونون عاصين فقط، أما أن يحاولوا تبرير الربا ويحللوه فسيدخلون في دائرة أخرى شر من ذلك، وهي دائرة الكفر والعياذ بالله. وقد عرفنا أن آدم عليه السلام عصى ربه، وأكل من الشجرة، وإبليس عصى ربه، فلما تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، أما إبليس فقد طرده الله، ولماذا طرد الله إبليس وأحل عليه اللعنة؟ لأن آدم أقر بالذنب وقال:
Página desconocida