361

[2.269]

والحكمة هي وضع الشيء في موضعه النافع. فكأن الحق يقول: كل ما أمرتكم به هو عين الحكمة لأني أريد أن أؤمن حياتكم الدنيا فيمن تتركون من الذرية الضعفاء، وأؤمن لكم سعادة الآخرة. فإن صنع العبد المؤمن ما يأمر به الله فهذا وضع الأشياء في موضعها وهو أخذ بالحكمة. وقد أراد الحق أن يعلم الإنسان من خلال عاطفته على أولاده، لأن الإنسان قد تمر عليه فترة يهون فيها عنده أمر نفسه، ولا ينشغل إلا بأمر أولاده، فقد يجوع من أجل أن يشبع الأولاد، وقد يعرى من أجل أن يكسوهم. ولنا المثل الواضح في سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، لقد ابتلاه ربه في بداية حياته بالإحراق في النار، ولأن إبراهيم قوى الإيمان فقد جعل الله النار بردا وسلاما. وابتلاه الله في آخر حياته برؤيا ذبح ابنه، ولأن إبراهيم عظيم الإيمان فقد امتثل لأمر الرحمن الذي افتدى إسماعيل بكبش عظيم. والإنسان في العمر المتأخر يكون تعلقه بأبنائه أكبر من تعلقه بنفسه. وهكذا كان الترقي في ابتلاء الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام، ولذلك أراد الله أن يضرب للبشر على هذا الوتر وقال:

وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا

[النساء: 9]. إن الحق سبحانه يريد من عباده أن يؤمنوا على أولادهم بالعمل الصالح والقول السديد. ومثال آخر حين أراد الحق أن يحمي مال اليتامى، وأعلمنا بدخول موسى عليه السلام مع العبد الصالح الذي أوتي العلم من الله، يقول - سبحانه -:

فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا

[الكهف: 77]. كان موسى عليه السلام لا يعلم علم العبد الصالح من أن الجدار كان تحته كنز ليتيمين، كان أبوهما رجلا صالحا، وأهل هذه القرية لئام، فقد رفضوا أن يطعموا العبد الصالح وموسى عليه السلام، لذلك كان من الضروري إقامة الجدار حتى لا ينكشف الكنز في قرية من اللئام ويستولوا عليه ولا يأخذ الغلامان كنز أبيهما الذي كان رجلا صالحا. إذن فالحق سبحانه يعلمنا أن نؤمن على أبنائنا بالعمل الصالح، وهذه هي الحكمة عينها التي لا يصل إليها إلا أصحاب العقول القادرة على الوصول إلى عمق التفكير السديد. وسيدنا الحسن البصري يعطينا المثل في العمل الصالح عندما يقول لمن يدخل عليه طالبا حاجة: مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. إن سيدنا الحسن البصري قد أوتي من الحكمة ما يجعله لا ينظر إلى الخير بمقدار زمنه، ولكن بمقدار ما يعود عليه بعد الزمن. وقد ضربت من قبل المثل بالتلميذ الذي يجد ويتعب في دروسه ليحصل على النجاح، بينما أخوه يحب لنفسه الراحة والكسل. ثم نجد التلميذ الذي يتعب هو الذي يرتقي في المجتمع، بينما الذي ارتضى لنفسه الكسل يصير صعلوكا في المجتمع. وبعد ذلك يقول سبحانه: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه... }.

[2.270]

وقد عرفنا النفقة من قبل، فما هي مسألة النذر؟. إن النذر هو أن تلزم نفسك بشيء من جنس ما شرع الله فوق ما أوجب الله. فإذا نذرت أن تصلي لله كل ليلة عددا من الركعات فهذا نذر من جنس ما شرع الله لأن الله قد شرع الصلاة وفرضها خمسة فروض، فإن نذرت فوق ما فرضه الله فهذا هو النذر. ويقال في الذي ينذر شيئا من جنس ما شرع الله فوق ما فرضه الله: إن هذا دليل على أن العبادة قد حلت له، فأحبها وعشقها، ودليل على أنه قارب أن يعرف قدر ربه وأن ربه يستحق منه فوق ما افترضه عليه، فكأن الله في افتراضه كان رحيما بنا، لأنه لو فرض ما يستحقه منا لما استطاع واحد أن يفي بحق الله. إذن فعندما تنذر أيها العبد المؤمن نذرا، فإنك تلزم نفسك بشيء من جنس ما شرع الله لك فوق ما فرض الله عليك. وأنت مخير أن تقبل على نذر ما، أو لا تقبل. لكن إن نطقت بنذر فقد لزم. لماذا؟ لأنك ألزمت نفسك به. ولذلك فمن التعقل ألا يورط الإنسان نفسه ويسرف في النذر، لأنه في ساعة الأداء قد لا يقدر عليه. وأهل القرب من الله يقولون لمن يخل بالنذر بعد أن نذر: هل جربت ربك فلم تجده أهلا لاستمرار الود. وليس فينا من يجرؤ على ذلك لأن الله أهل لعميق الود. ولهذا فمن الأفضل أن يتريث الإنسان قبل أن ينذر شيئا. ونقف الآن عند تذييل الآية: { وما للظالمين من أنصار } [البقرة: 270]. إن الظالمين هم من ظلموا أنفسهم لأن الحق عرفنا أن ظلم الإنسان إنما يكون لنفسه، وقال لنا:

إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون

[يونس: 44]. ومن أشد الظلم للنفس الإنفاق رياء، أو الإنفاق في المعاصي، أو عدم الوفاء بالنذر، فليس لمن يفعل ذلك أعوان يدفعون عنه عذاب الله في الآخرة. ويقول الحق من بعد ذلك: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء... }.

Página desconocida