360

ويقول آخر:

كما أبرقت قوما عطاشا غمامه

فلما رأوها أقشعت وتجلت

إن الذي يرائي يخسر كل حاجاته، ولا يقدر على شيء مما كسب. ويقول الحق من بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم... }.

[2.267]

إن هذه الآية تعطي صورا تحدث في المجتمع البشري. وكانت هذه الصور تحدث في مجتمع المدينة بعد أن أسس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام. فبعض من الناس كانوا يحضرون العذق من النخل ويعلقه في المسجد من أجل أن يأكل منه من يريد، والعذق هو فرع قوي من النخل يضم الكثير من الفروع الصغيرة المعلقة عليها ثمار البلح. وكان بعضهم يأتي بعذق غير ناضج أو بالحشف وهو أردأ التمر، فأراد الله أن يجنبهم هذا الموقف، حتى لا يجعلوا لله ما يكرهون، فأنزل هذا القول الحكيم: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]. إن الإنفاق يجب أن يكون من الكسب الطيب الحلال، فلا تأتي بمال من مصدر غير حلال لتنفق منه على أوجه الخير. فالله طيب لا يقبل إلا طيبا. ولا يكون الإنفاق من رذال ورديء المال. ويحدد الحق سبحانه وتعالى وسيلة الإنفاق من عطائه فيقول: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } [البقرة: 267] وهو سبحانه يذكرنا دائما حين يقول: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267] ألا تظن الكسب هو الأصل في الرزق. لا، إن الكسب هو حركة موهوبة لك من الله. إنك أيها العبد إنما تتحرك بطاقة موهوبة لك من الله، وبفكر ممنوح لك من الله، وفي أرض سخرها لك الله، إنها الأدوات المتعددة التي خصك بها الله وليس فيها ما تملكه أنت من ذاتيتك. ولكن الحق يحترم حركة الإنسان وسعيه إلى الرزق فيقول: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]. ويحذرنا الحق من أن نختار الخبيث وغير الصالح من نتاج عملنا لننفق منه بقوله سبحانه: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } [البقرة: 267] أي لا يصح ولا يليق أن نأخذ لأنفسنا طيبات الكسب ونعطي الله رديء الكسب وخبيثه لأن الواحد منا لا يرضى لنفسه أن يأخذ لطعامه أو لعياله هذا الخبيث غير الصالح لننفق منه أو لنأكله. { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد } [البقرة: 267] أي أنك أيها العبد المؤمن لن ترضى لنفسك أن تأكل من الخبيث إلا إذا أغمضت عينيك، أو تم تنزيل سعره لك كأن يعرض عليك البائع شيئا متوسط الجودة أو شيئا رديئا بسعر يقل عن سعر الجيد. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا بهذه الصور أوجه الإنفاق: * إن النفقة لا تنقص المال وإنما تزيده سبعمائة مرة. * إن النفقة لا يصح أن يبطلها الإنسان بالمن والأذى. * إن القول المعروف خير من الصدقة المتبوعة بالمن أو الأذى. * إن الإنفاق لا يكون رئاء الناس إنما يكون ابتغاء لمرضاة الله. هذه الآيات الكريمة تعالج آفات الإنفاق سواء آفة الشح أو آفة المن أو الأذى، أو الإنفاق من أجل التظاهر أمام الناس، أو الإنفاق من رديء المال. وبعد ذلك يقول سبحانه: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء... }.

[2.268]

إن الشيطان قد يوسوس لكم بأن الإنفاق إفقار لكم، ويحاول أن يصرفكم عن الإنفاق في وجوه الخير، ويغريكم بالمعاصي والفحشاء، فالغني حين يقبض يده عن المحتاج فإنه يدخل في قلب المحتاج الحقد. وأي مجتمع يدخل في قلبه الحقد نجد كل المنكرات تنتشر فيه. ويعالج الحق هذه المسائل بقوله:

إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم * إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم

[محمد: 36-37]. إن الحق سبحانه وتعالى لا يسألك أن ترد عطاءه لك من المال، إنما يطلب الحق تطهير المال بالإنفاق منه في سبيل الله ليزيد ولينمو، وليخرج الضغن من المجتمع لأن الضغن حين يدخل مجتمعا فعلى هذا المجتمع السلام. ولا يفيق المجتمع من هذا الضغن إلا بأن تأتيه ضربة قوية تزلزله، فينتبه إلى ضرورة إخراج الضغن منه لذلك يحذرنا الله أن نسمع للشيطان: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم } [البقرة: 268]. فالذي يسمع لقول الشيطان ووعده، ولا يستمع إلى وعد الله يصبح كمن رجح عدو الله على الله - أعاذنا الله وإياكم من مثل هذا الموقف - إن الشيطان قد وسوس لكم بالفقر إذا أنفقتم، وخبرة الإنسان مع الشيطان تؤكد للإنسان أن الشيطان كاذب مضلل، وخبرة الإنسان مع الإيمان بالله تؤكد للإنسان أن الله واسع المغفرة، كثير العطاء لعباده. والحكمة تقتضي أن نعرف إلى أي الطرق نهتدي ونسير. وبعد ذلك يقول الحق: { يؤتي الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا... }.

Página desconocida