Mukhtasar Tafsir Al-Baghawi, also known as Ma'alim at-Tanzil
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
Editorial
دار السلام للنشر والتوزيع
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤١٦هـ
Ubicación del editor
الرياض
Géneros
•General Exegesis
Regiones
•Arabia Saudita
Imperios y Eras
Al Saúd (Najd, Hiyaz, Arabia Saudita moderna), 1148- / 1735-
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (١) وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَيْبِ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: أَسْلَمْنَا قبلك وجعلوا يستهزؤون بِهِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: تُرِيدُ أَنْ نَتَّخِذَكَ حَنَانًا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عيسى حَنَانًا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ سَكَتَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨] الْآيَةَ. وَقِيلَ: بَلِّغَ مَا أُنزل إِلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَنِكَاحِهَا، وَقِيلَ: فِي الْجِهَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَرِهُوهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] كرهه بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] الآية. فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُمْسِكُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ عَنِ الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَأَبُو بكر ويعقوب رِسَالاته عَلَى الْجَمْعِ وَالْبَاقُونَ رِسَالَتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِنْ لَمْ تُبَلِّغِ الْجَمِيعَ وَتَرَكْتَ بَعْضَهُ فَمَا بَلَّغْتَ شَيْئًا، أَيْ: جُرْمُكَ فِي تَرْكِ تَبْلِيغِ الْبَعْضِ كَجُرْمِكَ في ترك تبليغ الكل، وَقِيلَ: بَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَيْ: أَظْهِرْ تَبْلِيغَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٤] وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنْ لَمْ تُظْهِرْ تَبْلِيغَهُ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مُجَاهِرًا مُحْتَسِبًا صَابِرًا، غَيْرَ خَائِفٍ، فَإِنْ أخفيتَ مِنْهُ شَيْئًا لِخَوْفٍ يَلْحَقُكَ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] يَحْفَظُكَ وَيَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ شُجَّ رَأْسُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَأُوذِيَ بِضُرُوبٍ مِنَ الْأَذَى؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الْقَتْلِ فَلَا يَصِلُونَ إِلَى قَتْلِكَ. وقيل: نزلت هذه الآية بعد ما شُجَّ رَأْسُهُ لِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: وَاللَّهُ يَخُصُّكَ بِالْعِصْمَةِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعْصُومٌ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]
[٦٨] قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] أَيْ: تُقِيمُوا أَحْكَامَهُمَا وَمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِيهِمَا، ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ﴾ [المائدة: ٦٨] فَلَا تَحْزَنْ، ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٨]
[٦٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩] قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ: بِاللِّسَانِ. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٩] أَيْ: بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، أَيْ: ثَبَتَ عَلَى الْإِيمَانِ، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]
[٧٠] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٠] فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ [المائدة: ٧٠] عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليهما، ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] يحيى وزكريا.
[قوله تعالى وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا] ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ. . . .
[٧١] ﴿وَحَسِبُوا﴾ [المائدة: ٧١] ظنوا، ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] أَيْ: عَذَابٌ وَقَتْلٌ، وَقِيلَ: ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ، أَيْ: ظَنُّوا أَنْ لَا يُبتلوا ولا يُعذبهم الله، ﴿فَعَمُوا﴾ [المائدة: ٧١] عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ يُبْصِرُوهُ، ﴿وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، يَعْنِي عَمُوا وَصَمُّوا بَعْدَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٧١] بِبَعْثِ عِيسَى ﵇، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧١] بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١]
[٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] وهم الملكانية واليعقوبية منهم،
(١) أسباب النزول للواحدي ص (٢٣٢ - ٢٣٣)، الدر المنثور (٣ / ١١٦-١١٧) .
1 / 240