Mukhtasar Tafsir Al-Baghawi, also known as Ma'alim at-Tanzil

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Editorial

دار السلام للنشر والتوزيع

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤١٦هـ

Ubicación del editor

الرياض

[مقدمة]
[كلمة الناشر]
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كلمة الناشر الحمد لله الذي أنزل الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نذيرًا، والصلاة والسلام على النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فهذا اختصار تفسيري اختصره فضيلة الدكتور / عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ علي الزيد، حفظه الله، من تفسير الإمام الحافظ الفقيه المجتهد أبي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ، البغوي المسمى بـ " معالم التنزيل ".
وتفسيره الكامل الذي منه هذا الاختصار من أجل كتب التفسير بالمأثور، يسرد فيه التفسير بالقرآن - أي يجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد ليوضح معنى الكلمة التي تضمنتها - ويأتي بالأحاديث مع أسانيدها كما يذكر أقوال الصحابة ومن بعدهم من أئمة التفسير وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي أم البغوي أو غير هؤلاء؟ فأجاب قائلًا:
" وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي " وعنه قال: " تفسيره مختصر من تفسير الثعلبي لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة ".
فلما كان تفسيره بهذه المكانة العظمى وأثنى على اختصاره غير واحد من أهل العلم، أعدنا طبعه من جديد بعد التنسيق مع المختصر.
عملنا في هذا الكتاب:
١ - طبع الكتاب في مجلد واحد لأول مرة بلونين.
٢ - وضع المصحف كاملًا، وكذلك أخذ الآيات القرآنية المفسرة برسم المصحف من الحاسب الآلي تجنبًا للأخطاء المطبعية.
٣ - تصحيح الأخطاء التي نبه عليها فضيلة الدكتور عبد الله الزيد، فضلًا عن الأخطاء التي استدركها أعضاء لجنة البحث العلمي بدار السلام.
٤ - تم طباعة الكتاب على ورق شمواه.
ونحن عندما نقدم هذا السفر الجليل بين يدي القارئ الكريم، نتضرع إلى الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم. هذا. . . ونشكر كل من سعى لإخراج هذا العمل في ثوبه الجديد. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
خادم الكتاب والسنة
عبد المالك مجاهد

1 / 5

[تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عبده الكتاب وجعله هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى والفرقان، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان، وعلى آله وأصحابه أولي العلم والعرفان. وبعد:
فإن تفسير الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي تفسير جيد، شهد العلماء بجودته وإتقانه وتمشيه على مذهب السلف في المنهج والاعتقاد، إلا أنه طويل بالنسبة لحاجة غالب الناس اليوم، فالناس اليوم بحاجة إلى تفسير مختصر موثوق.
فلذلك اتجهت همة أخينا الشيخ الدكتور / عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ علي الزيد إلى اختصار هذا التفسير وتقريبه للناس. وقد اطلعت على نموذج من عمله فوجدته عملًا جيدًا ومنهجًا سديدًا، حيث إنه يختار من هذا التفسير ما يوضح الآيات بأقرب عبارة وأسهلها، فهو مختصر جيد مفيد. جزى الله أخانا الشيخ / عبد الله على عمله هذا خيرًا وغفر الله للإمام البغوي ورحمه، جزاء ما ترك للمسلمين من علم نافع ومنهج قويم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه:
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
في (١٣ / ١٠ / ١٤١٣ هـ)

1 / 7

[مقدمة د. عبد الله بن أحمد بن علي الزيد]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الحمد لله الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ليكون للعالمين نذيرًا، ولمن استمسك به هدى ونورًا. . . والصلاة والسلام على من أرسله بالهدى والبينات سراجًا منيرًا، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه الذين حفظوا كتاب ربهم وعملوا على جمعه وضبطه وتدوينه ليصل إلى من بعدهم بصورته التي بها نزل.
وبعد: فإن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الدالة على صدق رسالة مُحَمَّدٍ ﷺ والدعوة العظمى من الله تعالى إلى التوحيد الخالص والطريق المستقيم، وقد تولى الله حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والمعارضة كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
وها هو قد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان ولا يزال كما وعد الله محفوظًا كما أنزل لم يتغير فيه عما نزل حرف ولا كلمة، ولا ترتيب، وسيبقى كذلك إلى آخر الدهر.
وقد ظهر لي من خلال عملي حاجة الناس إلى تفسير مختصر يجمع بين علمي الرواية والدراية، يكون في متناول الكل، يتميز بخلوه من المخالفات الشرعية والعقدية، وذلك لأن الوقت في هذا العصر أصبح قليلًا جدًّا بسبب تزاحم المعلومات في كل العلوم، فرأيت من المناسب اختيار تفسير مختصر يلبي حاجة من أراد الاطلاع على معاني كلام الله ﷾. وقد اطلعت على كثير من المختصرات فوجدت بعضها يهتم بجانب واحد من جوانب إعجاز القرآن كمباحث الإعراب ونكت البلاغة، والبعض الآخر لا يخلو مما يستوجب النظر، ومنها ما يستطرد لعلوم أخرى لا يُحتاج إليها في فهم القرآن.
ولما كان تفسير الإمام البغوي ﵀ المسمى (معالم التنزيل) يجمع بين علمي الرواية والدراية مع وضوح العبارة، وجمعه لكثير من المعاني التي يذكرها المفسرون بأسلوب سهل مقتضب بعيدًا عن الألغاز والتعمية مع ما يتميز به من الالتزام بمذهب السلف الصالح في المجال العقدي وما خص به من ثناء العلماء والأئمة، وما حظي به من القبول لدى الأمة، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري؟ أم القرطبي؟ أم البغوي؟ فأجاب في فتواه (ج ٢ - ص ١٩٣) ما نصه: " أسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة: البغوي ".
وقال محمد رشيد رضا في مقدمة طبعته له عام ١٣٤٣ هجرية: " هذا التفسير من أشهر كتب التفسير في العناية بما رُوي عن مفسري السلف وبيان معاني الآيات وأحكامها ".
وهو من أجود التفاسير وأنفعها وأشملها أيضًا، إلا أنه يشتمل على روايات كثيرة وبعض القصص الإسرائيلية والأمور التي يغني بعضها عن بعض، ولم يسبق حسب علمي أن قام أحد باختصاره، لذا قمت بهذا العمل لنفسي أولًا، وحرصًا مني على تقريبه وتسهيله لمن يرغب في تفسير موثق لإمام من أئمة أهل السنة والجماعة، أسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد والقبول.

1 / 9

منهج البغوي في تفسيره: ١ - من المعلوم أن أحسن طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، ثم بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، ثم بأقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك حيث إنهم حضروا التنزيل وشاهدوا من القرائن والأحوال ما لم يعلمه غيرهم، ثم بأقوال التابعين الذين تعلموا على الصحابة وأخذوا عنهم، وهذا ما اتخذه البغوي منهجًا له في تفسيره.
٢ - سلك البغوي ﵀ مسلكًا متوسطًا بلفظ موجز وسهل بعيدًا عن الاستطراد والحشو، جاء في مقدمة تفسيره: (جمعت بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ تَوْفِيقِهِ فيما سألوا كتابًا متوسطًا بَيْنَ الطَّوِيلِ الْمُمِلِّ وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ) اهـ.
٣ - ما ذكره من الأحاديث النبوية الشريفة فغالبها يسوقها بأسانيدها التي اشترط فيها الصحة أو الحسن، وقد وضح ذلك بقوله: (ما ذَكَرْتُ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أثناء الكتاب على وفق آيَةٍ أَوْ بَيَانِ حُكْمٍ فَإِنَّ الْكِتَابَ يُطْلَبُ بَيَانُهُ مِنَ السُّنَّةِ، وعليها مَدَارُ الشَّرْعِ وَأُمُورُ الدِّينِ، فَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَسْمُوعَةِ لِلْحُفَّاظِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ الْمَنَاكِيرِ وَمَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ التَّفْسِيرِ) .
٤ - ما ذكره عن الصحابة والتابعين فغالبًا يذكره بلا إسناد وذلك لأنه ذكر في مقدمته إسناده إلى كل من يروي عنهم.
٥ - يذكر أقوال السلف في تفسير الآية ولا يرجح بعضها على بعض في كثير من الأحيان إشارة منه ﵀ إلى أن معنى الآية قد يحتمل جميع المعاني أو أكثرها، وهذه ميزة تميز بها تفسير البغوي قلما توجد في غيره.
٦ - يتحاشى ذكر المسائل الكلامية ويكتفي بإيراد منهج السلف فيها.
٧ - يذكر البغوي بعض الأخبار الإسرائيلية عند تفسير بعض الآيات التي تحكي قصص أهل الكتاب وهو مقل منها بالنسبة لغيره من المفسرين.
٨ - يذكر بعضر الأحكام الفقهية والقراءات المشهورة، وأسباب النزول في تفسيره.
عملي في التفسير: ما يجده القارئ في هذا المختصر هو كله من كلام البغوي فقد التزمت بنصه التزامًا تامًّا ولم أتصرف فيه بالزيادة إلا ما استدعى السياق إضافته لربط كلام البغوي بعضه ببعض كواو العطف ونحوها، ليبقى التفسير بأسلوبه السهل الميسر وجماله الناصع مع تمام الترابط والانسجام، وقد جعلت ما أضفته بين قوسين تمييرًا له عن كلام البغوي. . . ومن هذا يعلم أن جميع ما في هذا المختصر هو من كلام البغوي، فإذا ورد فيه قوله: (قد روينا أو حدثنا) أو نحو ذلك فالقائل هو: البغوي، وقد حرصت على هذا المنهج لما لكلام الإمام البغوي ﵀ من ميزة لدى العلماء تجعل الاطمئنان إليه أكثر والوثوق به أحرى، وما عملته في الاختصار لا يخرج في الغالب عن أحد الأمور التالية:
١ - استبعاد ما لا ضرورة له في بيان معاني الآيات من الروايات والأسانيد المطولة والأحكام التي لا حاجة لها والاقتصار من سند الحديث عند ذكره على اسم الصحابي الذي روى الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتركت لمن أراد الاستزادة الرجوع إلى الأصل المختصر.
٢ - إذا تعددت الأحاديث التي يوردها المؤلف على وفق معاني الآيات الكريمة اقتصرت على ذكر حديث واحد منها وقد أقتصر على

1 / 10

موضع الشاهد من الحديث إذا كان يؤدي المعنى المقصود.
٣ - جرى تخريج الأحاديث الشريفة التي وردت في المختصر.
٤ - الإبقاء ما أمكن على الآيات التي استشهد بها المؤلف على طريقته في تفسير القرآن بالقرآن مع جعلها بين قوسين مختلفين عن أقواس الآيات المفسرة.
٥ - تجريد المختصر من الإسرائيليات ما أمكن إلا ما روى منها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أو أقره.
٦ - عند تعدد ذكر الآثار أكتفي منها بما يكشف معنى الآية.
٧ - جرى حذف بعض القراءات وخاصة إذا لم يترتب على المحذوف منها تغير المعنى.
الطبعة التي اعتمدت عليها: اعتمدت في عملي هذا على الطبعة المستقلة الكاملة لتفسير الإمام البغوي في طبعتها الثانية عام (١٤٠٧) هجرية التي حققها الأستاذان خالد عبد الرحمن العك، ومروان سوار، وقد قابلت ما أشكل فيها على طبعة عام (١٣٤٣) هجرية التي طبعت على حاشية تفسير الإمام ابن كثير. وبعد فراغي من العمل خرجت الطبعة الجديدة التي حققها الإخوة محمد عبد الله النمر، وعثمان جمعة ضميرية، وسليمان مسلم الحرش فاستفدت منها في مقابلة بعض العبارات المشكلة وفي بعض التخريجات للأحاديث النبوية الشريفة واكتفيت بذلك عن المقابلة على مخطوطة الكتاب وذلك لأن هذه الأخيرة طبعة مقابلة على مخطوطة الكتاب كما جاء في مقدمتها (١) .
أسأل الله الكريم أن ينفع بعملي هذا وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. وجزى الله خيرًا من ينبهني على خطأ يجده فليراسلني على ص. ب (٣٤٠٦٥٥) الرياض (١١٣٣٣)، ومن ينتفع بما فيه فيدعو لي من وراء الغيب دعوة خير صادقة، والله الموفق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الرياض في (٢٢ / ٩ / ١٤٢٢ هجرية)
د. عبد الله بن أحمد بن علي الزيد

(١) وقد جرى إعادة صف الكتاب في هذه الطبعة الثانية التي استدرك فيها كثير مما فات في الطبعة الأولى وجرى تنقيح الطباعة وتدقيقها.

1 / 11

[ترجمة الإمام البغوي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ترجمة الإمام البغوي هو الإمام العلامة الحافظ المفسر المحدث الفقيه محيي السنة أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الفراء البغوي من أئمة السلف الصالح المتمسكين بالكتاب والسنة.
ولد في بلدة (بغشور أو: بغ) وإليها نسبته وهي من بلاد خراسان، وذلك في أوائل العقد الرابع من القرن الخامس الهجري.
ونشأ البغوي شافعي المذهب غير متعصب لإمامه ولا مندد بغيره من العلماء، بل سلك مسلك أهل الاختيار والترجيح والتصحيح.
ومنهجه في العقيدة منهج السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم فلم يشغل نفسه بنظريات المتفلسفة وخلافات المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وإنما التزم بمنهج أهل السنة والجماعة ناشرًا له ومدافعًا عنه.
وقد تنقل البغوي في كثير من البلاد طلبا للعلم إلى أن استقر في (مروالروذ) الوطن الثاني للبغوي، وبقي فيها إلى أن وافته المنية عن نيف وثمانين سنة فيما بين عام (٥١٠ هـ) إلى (٥١٦ هـ) على خلاف في ذلك.
وقد أجمع علماء أهل السنة على جلالة قدر الإمام البغوي ورسوخ علمه بالكتاب والسنة وعلومهما، وصفه من ترجم له: بشيخ الإسلام ومحيي السنة وعلامة زمانه وأنه دينًا ورعًا عابدًا حافظًا ثبتًا ثقة حجة صحيح العقيدة.
وهو من أئمة الحديث الشريف، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله. كما أنه إمام في الفقه والأحكام. وإمام في التفسير وعلوم القرآن الكريم.
وقد خلف مؤلفات كثيرة منها شرح السنة، ومصابيح السنة، ومعالم التنزيل وهو أصل هذا المختصر والتهذيب في فقه الإمام الشافعي. وغير ذلك كثير.
وأخذ الإمام البغوي العلم عن أئمة عصره وكبار الحفاظ والمحدثين في زمانه منهم: الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ محمد بن أحمد المروزي المتوفى سنة (٤٦٢ هـ)، ومحدث مرو عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ الهروي المتوفى سنة (٤٦٣ هـ)، والإمام علي بن يوسف الجويني شيخ الحجاز المتوفى (٤٦٣ هـ) وغيرهم.
وقد روى عنه تلاميذ عدة منهم مجد الدين العطاردي الأصولي والمحدث الطائي الهمذاني وآخرون. رحم الله البغوي رحمة واسعة ورحمنا معه بمنه وكرمه إنه على ذلك قدير.

1 / 12

[سورة الفاتحة]
[أسماء سورة الفاتحة]
(١) سورة الفاتحة وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى منَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الْحِجْرِ: ٨٧] وَالْمُرَادُ مِنْهَا: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا.
[قوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]
[١] قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] الباء زائدة يخفض مَا بَعْدَهَا، مِثْلَ مِنْ وَعَنْ، والمتعلق به مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ، وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الاسم طلبًا للخفة لكثرة استعمالها، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ: هُوَ تعليم للعباد كيف يستفتحون القراءة.
قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ علم خاص بالله ﷿ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ، مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ مُشْتَقٌّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ: عَبَدَ عِبَادَةً، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ " ويذرك وإلاهتك " أي: عبادتك. معناه أنه المستحق لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ إِلَهٍ، قَالَ اللَّهُ ﷿. ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، يقال: أَلَهْتُ إِلَيْهِ أَيْ: فَزِعْتُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْإِلَهِ وِلَاهٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ، أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ في الشدائد ويلجؤون إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ.
قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أرق من الآخر، وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ، وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فقهاء الحجاز إلى أنها ليست مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السور، فإنما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سورة إلا سورة التوبة، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيات والآية الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ومن لا يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ: ابْتِدَاؤُهَا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]
[قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرحيم]
[٢، ٣] قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] لفظه خبر كأنه يخبر عن الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ ﷿، وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ: قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ، يُقَالُ: حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ من نعمة، وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، والحمد أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ: شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ، فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شاكر حامدا.
قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ: الدَّارُ لِزَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣] فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ، وَيُقَالُ: رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ يُقَالُ: رَبَّ

1 / 13

فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وأصلحها، فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا، إِنَّمَا يُقَالُ: ربِّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ.
وَالْعَالَمِينَ: جمع عالم والعالم جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، لأنهم مكلفون بِالْخِطَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١] وَقَالَ قَتَادَةُ ومجاهد والحسن: جميع المخلوقين، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ - قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]
[قوله تعالى مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ]
[٤] قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ [الفاتحة: ٤] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " مَلِكِ " قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ، وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ، يُقَالُ: رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا، وَقِيلَ: الْمَالِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ، وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ والشر جميعًا، كما يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: الدِّينُ الْقَهْرُ، يُقَالُ: دِنْتُهُ فَدَانَ، أَيْ: قَهَرَتْهُ فَذَلَّ، وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ، أَيْ: يَوْمَ الطَّاعَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]
[قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين]
[٥] قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: ٥] إِيَّا كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إلى المضمر.
قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أَيْ: نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ: مُذَلَّلٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وعلى جميع أمورنا.
[قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]
[٦] قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] اهْدِنَا: أَرْشِدْنَا، وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا، كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، أَيْ: دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ، بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ، لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أهل السنة.
﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] وصراط قرئ بالسين وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ الصَّادُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ.
وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: قال ابن عباس وجابر: هُوَ

1 / 14

الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، وَقَالَ ابن مسعود: هُوَ الْقُرْآنُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ " (١) . وقال سعيد بن جبير: طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الواضح.
[قوله تعالى صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ] عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
[٧] ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ من النبيين والمؤمنين. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ قَبْلَ أن يغيروا دينهم، وقال عبد الرحمن: هم النبي وَمَنْ مَعَهُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هم الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وقال عبد الرحمن بن زيدان: رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بيته.
قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يعني: غير صراط الذين غضبت عليهم.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] أَيْ: وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هلك وغاب، و" غير " ههنا بِمَعْنَى لَا، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ، وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ هُمُ النَّصَارَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٠] وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٧] وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِالْبِدْعَةِ وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ.
وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ " آمِين "، مفصولًا عن الفاتحة بسكتة، وهو مخفف ويجوز مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا، وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْمَعْ واستجب.
[فصل في فضل فاتحة الكتاب]
فصل في فضل فاتحة الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي آتَانِي اللَّهُ ﷿»، هَذَا حديث حسن صحيح (٢) .
وعن ابن عباس قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعنده جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فوقه، فرفع جبريل بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لن تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ»، صحيح (٣) .
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ غير تمام» .
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اقرؤوا يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ العبد:

(١) أخرجه الطبري في التفسير ١ / ١٧٢ وضعفه أحمد شاكر في تعليقه عليه.
(٢) رواه الترمذي في فضائل القرآن باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨ - ١٨٠، وأحمد في المسند ٢ / ٤١٢ - ٤١٣، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧، وأخرجه المصنف في شرح السنة ٤ / ٤٤٦، ٤٤٧.
(٣) رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) ١ / ٥٥٤، والنسائي في افتتاح الصلاة ٢ / ١٣٨ والمصنف في شرح السنة ٤ / ٤٦٦.

1 / 15

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] يقول اللَّهُ ﷿: هَذِهِ الْآيَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] يَقُولُ اللَّهُ: (فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سأل)»، صحيح (١) .
[سورة البقرة]
[قوله تعالى الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ]
(٢) سورة البقرة [١] ﴿الم﴾ [البقرة: ١] قَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: الم وَسَائِرُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَهِيَ سِرُّ الْقُرْآنِ، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فِي كُلِّ كِتَابٍ سر وسر الله فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ، وَقَالَ علي: إن لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ هَذَا الكتاب حروف التهجي.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي، فَقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ ابن عباس في ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] الْكَافُ مِنْ كَافِي وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ، وقيل في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الصَّادِقُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي الم: الْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّطِيفِ وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ الْمَجِيدِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْأَلِفُ آلَاءُ اللَّهِ وَاللَّامُ لُطْفُهُ وَالْمِيمُ مُلْكُهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال: معنى ﴿الم﴾ [البقرة: ١] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَعْنَى المص أنا الله أعلم وأفصل، ومعنى ﴿الر﴾ [يونس: ١] أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَمَعْنَى ﴿المر﴾ [الرعد: ١] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا حَسَنٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ حَرْفًا مِنْ كَلِمَةٍ تُرِيدُهَا كقولهم:
قلت لها قفي فقالت لي قَافْ (٢)
أَيْ: وَقَفْتُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: هِيَ أَسْمَاءُ الله تعالى مقطعة لو أحسن النَّاسُ تَأْلِيفَهَا لَعَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: ﴿المر﴾ [الرعد: ١] و: ﴿حم﴾ [غافر: ١] و: ﴿ن﴾ [القلم: ١] فيكون الرَّحْمَنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا إِلَّا أَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى وَصْلِهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقَائِلَ إذا قال قرأت ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] عَرَفَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالمص، وَرُوِيَ عَنِ ابن عباس: أَنَّهَا أَقْسَامٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ لِشَرَفِهَا وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة ومبادئ أسمائه الحسنى.
[٢] قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] أَيْ: هَذَا الْكِتَابُ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وأصل الكتاب الضم والجمع، وَسُمِّيَ الْكِتَابُ كِتَابًا لِأَنَّهُ جَمْعُ حرف إلى أحرف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ من عند الله وَأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ: لَا ترتابوا فيه.
قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أَيْ: هُوَ هُدًى، أَيْ: رُشْدٌ وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: هَادِيًا، تقديره، لا ريب فيه فِي هِدَايَتِهِ لِلْمُتَّقِينَ، وَالْهُدَى مَا يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ. لِلْمُتَّقِينَ، أَيْ: للمؤمنين، قال ابن عباس: الْمُتَّقِي مَنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ وَالْفَوَاحِشَ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاتِّقَاءِ، وأصله الحجز بين شيئين، وَمِنْهُ يُقَالُ: اتَّقَى بِتُرْسِهِ أَيْ: جَعَلَهُ حَاجِزًا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ ما يقصده. فَكَأَنَّ الْمُتَّقِي يَجْعَلُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَالِاجْتِنَابَ عَمَّا نَهَاهُ حَاجِزًا بينه وبين العذاب وَتَخْصِيصُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفٌ لَهُمْ أو لأنهم هم المنتفعون بِالْهُدَى.
[٣]: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٣] موضع (الذين)

(١) رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة رقم (٣٩٥) ١ / ٢٩٦، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٤٧.
(٢) هذا الرجز للوليد بن عقبة انظر تفسير الطبري ١ / ٢١٢.

1 / 16