473

إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (61) # وقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله ... الآية: قال ابن عباس وغيره: سبب نزولها محاجة نصارى نجران في أمر عيسى، وقولهم: يا محمد، هل رأيت بشرا قط من غير فحل، أو سمعت به «1» ، ومعنى الآية أن المثل الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ الناس مجمعون على أن الله تعالى خلقه من تراب من غير فحل، وفي هذه الآية صحة القياس.

وقوله تعالى: ثم قال ترتيب للأخبار لمحمد صلى الله عليه وسلم، المعنى: خلقه من تراب، ثم كان من أمره في الأزل أن قال له: كن وقت كذا.

وقوله تعالى: الحق من ربك، أي: هذا هو الحق، والممترين : هم الشاكون، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم في عبارة اقتضت ذم الممترين وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره ونهي عن الامتراء، مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله.

وقوله تعالى: فمن حاجك فيه، أي: في عيسى، ويحتمل في الحق، والعلم الذي أشير إليه بالمجيء هو ما تضمنته هذه الآيات المتقدمة.

وقوله: فقل تعالوا: استدعاء للمباهلة «2» ، وتعالوا: تفاعلوا من العلو، وهي كلمة قصد بها أولا تحسين الأدب مع المدعو، ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوه، وللبهيمة، ونبتهل: معناه: نلتعن، ويقال: عليهم بهلة الله، والابتهال: الجد في الدعاء بالبهلة، روى محمد بن جعفر بن الزبير وغيره: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما دعا نصارى نجران إلى المباهلة، قالوا: دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتك بما نفعل، فذهبوا إلى العاقب، وهو ذو رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى، فقال: يا معشر النصارى، والله، لقد عرفتم أن محمدا النبي المرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم قط نبيا، فبقي كبيرهم، ولا نبت/ صغيرهم، وأنه الاستئصال إن فعلتم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما أنتم عيه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل،

Página 54