463

فهذه الأمور التي ذكرناها هي سبب الاختلاف. وقد جعل الله سبب الاختلاف بلية لعباده؛ لأن يرجعوا إلى أولي الأمر منهم وهم أهل بيت نبيئهم صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله }[الشورى:10] أراد بقوله: {فحكمه إلى الله} أن يردوا ما اختلفوا فيه إلى من أمرهم الله برده إليهم حيث يقول تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}[النساء:83]، وقد ذكر الله تعالى الاختلاف فقال عز من قائل: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}[البقرة:213]، وقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين ، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}[هود:118،119]، يريد: أنه خلقهم للرحمة، ولئلا يخالف أهل الحق أهل الباطل. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سألت النبيء صلى الله عليه وآله وسلم لم أنزلت: {الم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}[العنكبوت:1-3]؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي ويا فاطمة، إن الله قد جعل الفتنة على الذين يقولون: آمنا . ليعلم الذين صدقوا في قولهم، ويعلم الكاذبين في إيمانهم، فهذا وعد واقع واجب، ثم أنزلت {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون}[العنكبوت:4]، (ثم) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي ويا فاطمة؛ قد علم الرب أن أقواما من بعدي عند الفتنة سيعملون السيئات ، ويحسبون أنهم سابقون)). فقال علي عليه السلام: فكيف يحسبون أنهم سابقون يا رسول الله ومن ورائهم الموت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي إنهم لم يسبقوا قضاء الله الذي قضى فيهم الموت)). ثم أنزل {من كان يرجو لقاء الله }[العنكبوت:5]، لأنه يعني أن من رجا لقاء الله أن يستعد لأجل الله، فإن يكن تائبا تابعا لطاعته، مجتنبا لخلاف الله ومعصيته، يعلم أن الله يعلم ما يعمل، ويسمع ما يقول؛ ولذلك قال سبحانه: {وهو السميع العليم }[العنكبوت:5]، ثم أنزل سبحانه: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين}[العنكبوت:6]، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد قضى الله على المؤمنين عند الفتنة بعدي الجهاد، فقال علي: يا رسول الله على ما نجاهد الذين يقولون آمنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((تجاهدونهم على الإحداث في الدين)). فقال علي: يا رسول الله إنك تقول تجاهدونهم كأني سأبقى بعدك إلى مجيء الفتنة، فأعوذ بالله والرسول أن أؤخر بعدك، فادع إلى ربك أن يتوفاني قبل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما كنت حقيقا أن تأمرني أن أدعو الله لك أن يقدم أجلك قبل ما أجل الله وقضى والله يقول سبحانه: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا }[آل عمران:145]، فقال علي: يا رسول الله، فما هذا الأحداث التي نجاهدهم عليها؟ قال: ((ما خالف القرآن وخالف سنتي؛ إذا عملوا في الدين بغير الدين. وإنما الدين أمر الرب ونهيه)). فقال علي: يا رسول الله، فإنك قلت لي يوم أحد إذ استشهد من المؤمنين من استشهد. فأخرت عني الشهادة، فرأيت وجدي وأسفي إن الشهادة من ورائك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فإن ذلك إن شاء الله كذلك، وكيف ترى صبرك إذا خضبت هذه من هذا؟)) -وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه-. فقال علي: ليس ذلك حينئذ يا رسول الله من مواطن الصبر، ولكنه من مواطن البشر والشكر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فأعدد قبل خصومتك، فإنك مخاصم)). فقال علي: يا رسول الله فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إئثر الهدى، واعطفه على الهوى من بعدي، إذا عطف قومك الهوى على الهدى وآثروه، واعطف القرآن على الرأي إذا عطف قومك الرأي على القرآن وحرفوا الكلم عن مواضعه بالأهواء العارضة والآمال الطامحة، والأفئدة الناكثة، والغش المطوي، والإفك المردي، والغفلة عن ذكر الموت والمعاد، فلا يكونن خصومك أولى بالقرآن منك، فإن من الفلح في الدنيا أن يخالف خصمك سنة رسول الله، وأن يخالف القرآن بعمله يقول الحق ويعمل الباطل، وعند ذلك يملى لهم ليزدادوا إثما، ويضلوا ضلالا كبيرا؛ وعند ذلك لا يدين الناس بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكون فيهم شهداء لله بالحق، وعند ذلك يتفاخرون بأموالهم وأنسابهم، ويزكون أنفسهم، ويتمنون رحمة ربهم، ويستحلون الحرام والمعاصي بالشبهات والأسماء الكاذبة، فيستحلون الربا بالبيع، والخمر بالنبيذ، والنجس بالزكاة، والسحت بالهدية، ويظهرون الباطل، ويتعاونون على أمرهم، ويتولون الجهلاء، ويفتنون العلماء من أولي الألباب، ويتخذونهم سخريا)). فقال علي: يا رسول الله أفبمنزلة ردة إذا فعلوا ذلك، أم بمنزلة فتنة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((بل بمنزلة فتنة، لو كانوا بمنزلة ردة أتاهم رسول من بعدي يدعوهم إلى الرجعة من بعد الردة، ولكنها فتنة يستنقذهم الله منها إذا تأخرت آجال السعداء بأولياء من أولياء الله، فيهديهم بهم، ويهدي بهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)). فقال علي: من آل محمد الهداة أم من غيرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((بل بنا يختم الله كما فتح بنا، وبنا يستنقذون من الفتنة، كما بنا أنقذوا من الشرك بعد عداوة الشرك فصاروا إخوانا في دينهم)).

Página 552