412

فأين الإجماع من الأمة؟ وهؤلاء كبار الصحابة وعلماء الأمة أنكروا ذلك. فأما إجماع من لا يعتد به من الجهال [ومن الرعية] فليس إجماعهم بحجة؛ لأن الله تعالى ذكر أمم الأنبياء بالتكذيب قال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود ، وعاد وفرعون وإخوان لوط}[ق:12،13]، وحكى قول نوح عليه السلام: {قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}[نوح:26،27]، وقد أخبرنا الله تعالى أنه ما آمن للرسل إلا الأقل من أممهم فقال تعالى: {وما آمن معه إلا قليل }[هود:40]، وقال: {فشربوا منه إلا قليلا }[البقرة:249]، وقال تعالى: {اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور}[سبأ:13]. وقال -فيما حكاه عن داود عليه السلام: {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم}[ص:24]، وقال تعالى: {والعصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}[العصر:13] ولا يستثنى من الشيء إلا الأقل. وأخبرنا: أن أكثر الناس لم يؤمنوا ولم يعقلوا فقال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }[هود:17]، وقال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون }[الأعراف:187]، وقال: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} فصح أن إجماع من أجمع من الأمة على إمامة أبي بكر لا يؤخذ به، وإنما يؤخذ بإجماع العلماء والصحابة، والإجماع وقع في علي عليه السلام؛ لأنهم مجمعون معنا أنه مستحق للمقام، وأنه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ديونه وأموره الخاصة، ونحن غير مجمعين معهم في أصحابهم وأئمتهم، فنحن أولى بحجة الإجماع منهم.

وأما سكوت أمير المؤمنين عليه السلام عن حقه: فإنه اجتهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جمع المؤمنين وتألفهم، وخشي إن نازع في حقه أن يفرق ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لو نازع القوم وعارضهم لشق عصا الإسلام، وكان عهد الناس بالشرك قريبا، وكان المشركون والكفار، والمنافقون والفاسقون، يريدون ذلك ليشتغل المسلمون بعضهم ببعض، وكان في ذلك فساد الإسلام، فرأى تغطية المسلمين على ما هم عليه أولى، وهو أهون العسرين. فهذا سبب وقوفه وسكوته عن حقه، وقلة أيضا نصيحة أعوانه وأنصاره؛ وليس ذلك بعجيب، قد أخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيته، وتبع فاختبأ في الغار للتقية، فلم يعب بذلك؛ فكذلك أمير المؤمنين عليه السلام، وله برسول الله أسوة حسنة، مع أنه عليه السلام لم يسكت عن حقه. روي عنه عليه السلام أنه قال لولده الحسن عليه السلام : (يا بني ما زال أبوك مدفوعا عن حقه، مستأثرا عليه، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) فنسب من دفعه عن حقه ظالما، وقد تهدد الله الظالمين بالعذاب.

Página 493