369

وأما قوله تعالى: {أو من وراء حجاب} أراد: أو كلاما يسمعه العبد من غير ناطق مشاهد، كما سمع موسى -صلى الله عليه- الكلام من الشجرة. وليس بين الله وبين خلقه حجاب؛ لأنه لو كان بينه وبين خلقه حجاب لكان مشابها لخلقه، ولكان غائبا عن المحتجب منه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد روي عن الحارث عن علي أمير المؤمنين عليه السلام أنه دخل السوق فإذا هو برجل مول ظهره يقول: لا والذي احتجب بالسبع. فضربه علي عليه السلام على ظهره ثم قال: من الذي احتجب بالسبع؟ قال: الله، يا أمير المؤمنين. قال: أخطأت ثكلتك أمك إن الله عز وجل ليس بينه وبين خلقه حجاب؛ لأنه معهم أينما كانوا ، قال: فما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: الله معك أينما كنت. قال: أطعم المساكين؟ قال: لا إنما حلفت بغير ربك.

فلما كان العلم من الله لا يصل إلى الناس إلا من الوحي، وكان الوحي لا يصلح إلى كل الناس لوجوه:

منها أنه لو كان يوحى إلى كل إنسان في نفسه لكان ذلك سببا لفساد الناس، ولكان كل ظالم يدعي أنه أذن له في الظلم، ولما تبين المطيع من العاصي.

ومنها أنه إذا لم يكن أمر الناس إلى واحد افترقوا، وإذا افترقوا تباغضوا وتحاسدوا وفسدوا.

Página 445