بالمساواة، ونظيره قوله ﷺ: "ما أقلَّتِ الغبراء، ولا أظلَّتِ الخضراء أصدق لهجةً من أبي ذرٍّ" (١) فإنه ليس صريحًا في أنه أصدق العالم أجمع؛ لأن نفي أصدقية أحدٍ عليه لا يستلزم نفي مساواة غيره له في الصدق، وقيل: هما سواء.
وأقول: البخاري أرجح من حيث انفراده بدقة الاستنباط، والغوص على المعاني الغريبة، ومسلم أرجح من حيث جمع الطرق واستيفاؤها بحسب الإمكان، والإشارة إلى ما بينها مما تعظم فوائده عند أهل فن الحديث، وأما من حيث الصحة. . فلا شك أن البخاري فيها أرجح؛ لأن شرطه -وهو أنه لا بد من تحقُّقِ اللقي- آكد وأحوط من شرط مسلم، وهو الاكتفاء بإمكانه، وإن أطال في خطبة "صحيحه" في الرد عليه في اشتراطه ذلك.
ثم رأيت المصنف أشار للأول بقوله: ("كتاب البخاري" أكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة) (٢)، والحافظَ أبا بكر الإسماعيلي صرَّح به فقال ما حاصله: إن مسلمًا رام ما رام البخاري؛ لكنه لم يضايق نفسه مضايقته، بل لم يبلغ أحدٌ مبلغه في التشديد، واستنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له وصلة بالحديث.
وغيرهما صرَّح بالثاني فقال: الإسناد الصحيح مداره على الاتصال وعدالة الراوي، و"كتاب البخاري" أعدل رواةً، وأشد اتصالًا.
وبيانه: أن الذي انفرد بالإخراج لهم دون مسلم أربع مئة وخمسةٌ وثلاثون رجلًا، المُتكلَّم فيه بالضعف منهم نحو الثمانين، والذين انفرد مسلم بهم ستُّ مئة وعشرون، المُتكلَّم فيه منهم مئةٌ وستون على الضِّعف، ولا شك أن من سلم من التكلم فيه رأسًا أقوى ممَّن تُكُلِّم فيه وإن لم يُعَوَّل على ما تكلَّم به فيه، على أن المتكلَّم فيهم في البخاري لم يكثر من تخريج أحاديثهم، بخلاف مسلم، وأيضًا أكثرهم شيوخه الذين هو أعرف بهم من غيره؛ لكونه لقيهم وخَبَرهُم وخَبَرَ حديثهم، وأما المتكلَّم فيهم في
(١) أخرجه ابن حبان (٧١٣٢)، والحاكم (٣/ ٣٤٢)، والترمذي (٣٨٠٢) عن سيدنا أبي ذر ﵁.
(٢) شرح صحيح مسلم (١/ ١٤).
1 / 137
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]