الفصل السادس
أثر القاعدة في الناسخ والمنسوخ
وإذا أردنا أن نتصور أثر القاعدة في الناسخ والمنسوخ فلا بد من هذه المقدمة وهي ملاحظة اصطلاح السلف في مفهوم النسخ، ثم اصطلاح الأصوليين فيه. وعلى ضوء ما بين المصطلحين من الفوارق يلوح لنا أثر القاعدة الكلية في هذا الموضوع.
لقد كان لفقهاء السلف اصطلاح خاص في النسخ يختلف كثيراً عن هذا الاصطلاح الحادث المتأخر.
فقد كانوا يستعملون النسخ بأزاء رفع الحكم تارة، ورفع دلالة العام، والمطلق، والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق وحمله على المقيد، أو تفسيره أو تبيينه، حتى أنهم كانوا يطلقون على التخصيص بالاستثناء والشرط والصفة نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد. فالنسخ في مفهومهم هو بيان بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك ما لا يحصى.
وزالت عنه اشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى ((أن الذي يظهر من كلام السلف المتقدمين أن النسخ عندهم في الاطلاق أعم منه في كلام الأصوليين فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخاً، وعلى بيان المجمل والمبهم نسخاً كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخاً لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف وإنما المراد ما جيء به آخراً.
فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جار في تقييد المطلق فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في اطلاقه بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم