فظهر أن اطلاق الحيض والطهر بالحقيقة اللغوية أعم منه بالاصطلاحية.
فلو قال لها أنت طالق في قرء وليس هو القرء الاصطلاحي، انقدح أن يقال تطلق الآيسة والصغيرة دون المستحاضة ومن رأت دماً دون يوم وليلة لغلبة اطلاق الطاهر عليهما وكثرته، وقلة اطلاق الحيض على المستحاضة ومن رأت دماً دون يوم وليلة. والمجاز يرجح على نظيره بمثل هذا(٢٣).
ففي هذا المثال نرى القرينة تدل على الغاء وإهمال الحقيقة الاصطلاحية
لقوله أنت طالق في قرء وليس هو القرء الاصطلاحي. وحقيقة القرء الاصطلاحي الدم الخارج من الرحم بعد تسع سنين. والطهر أيضاً أي يطلق على الحقيقتين بالاشتراك فلما ألغيت هذه الحقائق المتساوية حمل اللفظ على مجاز تلك الحقائق الملغاة. فطلقت الآيسة والصغيرة حملاً على مجاز الطهر، الذي هو أحد معاني القرء أيضاً وانما كان ذلك كذلك صوناً لكلام العاقل عن الالغاء. ومثال الحقائق الملغاة التي بعضها أجلى من البعض الآخر. ما ذكرناه من القرء اذا قلنا بأنه أجلى بالنسبة الى الطهر ولم نقل بأنهما متساويان فإذا قال أنت طالق في قرء ليس بطهر ولا حيض بالحقيقة الاصطلاحية يقع التعارض بين مجاز الحقيقتين فيحمل على مجاز الطهر الاصطلاحي لرجحان أصله(٢٤)، أي فتطلق الآيسة والصغيرة لاطلاق الطهر الاصطلاحي عليهما مجازاً.
القسم الثالث أن تدل القرينة على اعتبار واحد معين والغاء الباقي مثاله رأيت عيناً ناظرة. فيتعين حمل ذلك اللفظ على ذلك الواحد. وتلغو بقية المعاني الأخرى.
القسم الرابع أن توجب القرينة الغاء البعض فيتعين الباقي ويجب العمل به صوناً له عن الالغاء.
مثاله قوله ﷺ ((دعي الصلاة أيام أقرائك))(٢٥) فالقرينة هنا تلغي الطهر فيتعين الحيض لقرينة ترك الصلاة.
وهكذا رأينا أن القرينة جعلت طريقاً لاعمال الكلام فإذا لاح للفظ المشترك ما يخرجه عن الاجمال والاهمال تمسكنا به واعتبرناه مبيناً به والا ظل اللفظ مجملاً ومهملاً الى ما لا نهاية.
(٢٣) الابهاج شرح المنهاج ٢٧٠/١ و/٢٦٩.
(٢٤) الابهاج ٢٧٠/١ وانظر المحصول للرازي ج ١ ق ٣٩٢/١ مع التصرف.
(٢٥) الحديث أخرجه أبو داود عن عائشة بمعناه كتاب الطهارة باب /١٠٨ والنسائي في كتاب الحيض والاستحاضة عن عائشة باب الاقراء/٤ ج ١٨٣/١ تصوير استانبول.