أما إذا ورد الخطاب في جهة النفي أو النهي كنهيه ﷺ عن صيام يوم النحرِ فالواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية أيضاً، لأن المعنى يكون عندئذ أفطروا يوم النحر، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وبالعكس فيكون النهي عن صوم النحر أمراً بالافطار فيه لأن الافطار في يوم العيد من مقاصد الشريعة لأنه من محاسن العادات فيكون من التحسينيات ولأن العيد يوم بهجة وفرحة، وفي ذلك فائدة عظيمة أوجبها تقديم الحقيقة الشرعية، أما لو قدمنا الحقيقة اللغوية فإن الفائدة تنتفي حينئذ، لأن المعنى يكون أمراً بمطلق الحركة التي هي ضد الصيام في اللغة، لأن الصيام في اللغة، مطلق الامساك، حتى الامساك عن الحركة والكلام. يقال صامت الريح اذا هدأت. وخيل صيام أي ممسكة عن الحركة وقال الله تعالى حكاية عن السيدة مريم ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً﴾(١١) أي صمتاً.
بهذا يتضح أن إعمال الحقائق الشرعية جارٍ على مقاصد الشريعة وهي الافطار يوم العيد، بخلاف إعمال الحقيقة اللغوية فإنه بعيد عن مقاصد الشريعة، وإذا دار أمر الخطاب الشرعي بين حمله على معنى يحقق مقاصد الشريعة وحمله على معنى لا يحققها كان حمله على المعنى الذي يحققها أولى في الاعتبار لأنه فائدة شرعية مترتبة على هذا الكلام، والكلام إذا ترتب عليه فائدة من الفوائد المعتبرة تعين المصير إلى تصحيحه واعماله، وخاصة إذا هدد بالإلغاء، ومن أمثلة تعارض الحقيقة الشرعية مع الحقيقة اللغوية قوله عليه الصلاة والسلام ((الاثنان فما فوق جماعة))(١٢) وقوله ﷺ ((الطواف بالبيت صلاة))(١٣) فإنه يحتمل أن يكون ذلك إخباراً منه أن أقل الجمع في اللغة اثنان، وأن الطواف في البيت يسمى في اللغة صلاة أي دعاء لأن الصلاة في عرف أهل اللغة هي الدعاء على ما مَرَّ في محله عند الكلام على القاعدة الثانية، ويحتمل أن يكون أفاد أن الشرع جعل الطواف بالبيت صلاة شرعية. له حكم ذات الأركان والهيئة الخاصة، وجعل الاثنين جماعة أي يحصل بهم حكم الجماعة، من الأفضلية، ومنهم من جعل هذا مجملًا للاحتمال الذي فيه، لكن كون الرسول ﷺ بعث لبيان الشرعيات، لا لتعريف الألقاب اللغوية، يعتبر ذلك بياناً وأن المراد من هذه الخطابات
(١١) مريم (٢٦).
(١٢) رواه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الأذان باب /٣٥ ج ١ ص ١٦٠ تصوير استانبول كما أخرجه الدارقطني في سننه ج ٢ ص ٢٨٠.
(١٣) أخرجه النسائي عن طاووس عن رجل أدرك النبي ﷺ بهذا اللفظ في كتاب المناسك باب إباحة الكلام في الطواف ص ١٣٦، تصوير استانبول.