الفصل الأول
أثر القاعدة الكلية في تعارض الحقيقة اللغوية مع الحقيقة الشرعية
في هذا المبحث أحاول أن أبين أثر القاعدة الكلية في تعارض الحقيقة اللغوية مع الحقيقة الشرعية. وحتى يظهر أثر هذه القاعدة جلياً في هذه المسألة لابد من السير فيها، سيراً يبرز قضية إعمال الكلام أولى من إهماله. وأن الكلام الواجب إعماله إذا أهمل ترتب على إهماله فوات بعض الفوائد الشرعية، ولأنه من الضروري أن الكلام الصادر من الشارع إذا كان إعماله يترتب عليه فائدة شرعية، وإهماله لا يترتب عليه هذه الفائدة، كان إعماله أولى من إهماله، لأن كلام الشارع الحكيم يجب أن يصان عن الإلغاء والإهمال ما أمكن، ومثله الكلام الصادر عن المكلف لأن الدين والعقل يمنعان المرء من أن يتكلم بما لا فائدة فيه.
تعارض الحقيقة اللغوية مع الحقيقة الشرعية:
قد تعرض بعض الأصوليين، كالآمدي(١) وابن الحاجب(٢) والإمام الغزالي(٣) لبحث هذه المسألة، وبيان الخلاف فيها، ولكنهم قصروا بحثهم على الخلاف في تعارض الحقيقة الشرعية مع الحقيقة اللغوية، ولم يتعرضوا لتعارض الحقيقة الشرعية مع الحقيقة العرفية، وللأصوليين في هذه المسألة أربعة مذاهب المذهب الأول وهو مذهب الجمهور، والصحيح عند ابن الحاجب(٤) أن الحقيقة الشرعية أقوى من الحقيقة اللغوية مطلقاً، أي سواء ورد الخطاب
(١) مرت ترجمته في ص ٩٧.
(٢) مرت ترجمته في ص ١١٦.
(٣) مرت ترجمته في ص ١١٥.
(٤) انظر الأحكام للآمدي ٣/٢١ ومنتهى السول له أيضاً ٢/٥٩. والإبهاج ١/٣٦٥ والمحلى على جمع الجوامع ١/٣٢٨ وانظر المنتهى لابن الحاجب/١٠٢.