623

" إن الشيطان قد يسر أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب "

، وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق فى الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا، وقيل ما بين اليمامة واليمن أنجد والمدينة الشريفة كلها حجازية، وقيل: جلها حجازى، ونصفها تهامى، وقال ابن الكلبى: الحجاز ما بين جبل طيئ وطراق العراق، وعن سعيد ابن عبد العزيز: ما بين الوادى إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق، إلى البحر. وقيل: المسجد الحرام هو الحرم لقوله تعالى

سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

[الإسراء: 1]. وقد أسرى به من بيت أم هانئ، لكن قد قيل أيضا: من تحت الميزاب، فيجمع بأن الإسراء منه، ثم من بيتها، وزعم أبو حنيفة أن المراد منعهم عن الحج والعمرة { بعد عامهم هذا } أى بعد انسلاخ تسعة من الهجرة وهو عام نزول السورة والنداء بالبراءة فى الحج، وقيل: عام حجة الوداع وانسلاخ عامهم تمام ذى الحجة من سنة تسع أو سنة عشر وهى سنة حجة الوداع، ويدل على أن المراد بالمسجد الحرم كله لا المسجد قوله تعالى { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم } لأنهم لا يخافون بعدم دخول المسجد فقط، فإنه إذا منعوا منه فقط دخلوا بأموالهم الحرم وأسواقه وراسمه، وأيضا سمى الله الحرم المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مع أنه سرى من بيت أم هانئ، لكن ليس إجماعا، بل فيه قول من الحجر الحطيم، والعيلة الفقر، خافوا الفقر بقطع المشركين عن الحرم، وفضل الله عطاؤه، وقد أرسل السماء عليهم مدرارا، وأسلم أهل جدة وصنعاء، وهى قاعدة اليمن، وجرش وهو موضع باليمن، وتبالة وهى بلدة حصينة فيه، فحملت إليهم الأرزاق من هذه البلاد وغيرها، وفتحت البلاد وكثرت الغنائم والجزية وتوجه، الناس إليهم من كل فج عميق، وقيد بالمشيئة ليتحققوا أن الأمر إلى الله، ويقصروا آمالهم عليه، وأنه لا واجب عليه، وكل نعمة فضل منه، وأنه إن شاء أعطى هذا ومنع هذا، وأعطى عاما دون عام، وأخبرهم أنه عليم بأحوالهم من يصلح للإعطاء ومن لا يصلح، حكيم فى إعطائه ومنعه، وسلاهم أيضا من مفارقة أحبائهم من المشركين، وعن خوف العيلة بالجزية أيضا.

[9.29]

{ قاتلوا } يا محمد وأصحابه { الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } من أول السورة إلى هذا فى المشركين من العرب، واستأنف كلاما فى اليهود والنصارى المشركين من أهل الكتاب. نزلت الآية فغزا تبوك وصالحهم بمال يعطونه، وهم نصارى، وقال الكلبي: نزلت فى قتال قريظة والنضير وهم يهود فقاتلهم وأعطوا الجزية، وهى أول جزية فهذه ومال تبوك من فضله الذى يغنيهم به، وإنما نفى عنهم الإيمان لأنهم لا يؤمنون بالنبى صلى الله عليه وسلم، وكفرت النصارى بأنبياء اليهود واليهود بعيسى، واليهود يعتقدون أن الله جسم وأنه استوى على العرش استواء معقولا، ويقولون أنه على صورة الإنسان، وأن عزير ابن الله، والنصارى يقولون بحلول الألوهية منه فى عيسى ومريم، وأنهما إلهان أو هو ابن الله. ويقول النصارى: تبعث الأرواح دون الأجسام. ويقولون هم واليهود: لا أكل ولا شرب فى الجنة ولا نكاح وذلك كله إشراك ويقول اليهود لا يدخل الجنة إلا اليهود، يعنون: لا يدخلها النصارى وهذه الأمة. وتقول النصارى: لا يدخلها إلا من كان نصارى، أو لا تدخلها هذه الأمة واليهود. وقالت اليهود: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، فإيمان من هؤلاء صفاته كلا إيمان بالله واليوم الآخر، فإن الإيمان بالشئ على غير ما هو عليه غير إيمان به، وإنكار لله، { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } كالخمر والخنزير والربا. ورسوله هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو الجنس، أى كل لا يحرم ما حرم الله ورسوله، ولما جاء صلى الله عليه وسلم خالفوه، ويجوز أن يراد برسول الله ما يشمل رسلهم، وسيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم. والوجهان لا يليقان بالسياق، قيل: ولا سيما باللحاق ، فإن ما قبل هذا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله { ولا يدينون دين الحق } فيه أيضا، وفيه أن هذا ظاهر فى عموم الحق قبله صلى الله عليه وسلم ومعه صلى الله عليه وسلم، والحق الصواب عند الله، وقيل: الحق لله، وقيل: المراد دين أهل الحق، وقيل: الدين الطاعة والحق الله، ويجوز أن يراد بالحق الثابت والإضافة للبيان، أى ديننا هو الثابت الذى لا ينسخه دين، وإما أن يراد دينهم الحق الذى جاء به أنبياؤهم وديننا، ففيه إنما نقاتلهم على مخالفة ديننا لا على مخالفة دين نبيهم، نعم نبيهم يأمرهم بالإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم { من الذين أوتوا الكتاب } اليهود والنصارى والصابئون داخلون فى اليهود والنصارى، وكذا السامرية، وذلك بيان للذين لا يؤمنون { حتى يعطوا } يعطوكم { الجزية } من أنفسهم بالإذعان لها، وليس إحضارها فتقبض فإنها تعطى آخر العام، وقيل: أول العام التالى لعام عقدها. وابتداء العام حين عقدت، والجزية فعلة للهيئة من جزى إذا قضى ما عليه، ويقال: جزى دينه إذا قضاه، ومنه لا تجزى نفس عن نفس شيئا.

وقيل: سميت لأنها جزاء الكفر، أى عوقبوا بها لكفرهم، فهى من معنى المجازاة، وقيل: لأنها تجزى عن دمائهم، أى تكفى عن قتل، فهى من معنى الإجزاء. يقال: فلان يجزى أى يكفى وقيل من معنى المجازاة لكفنا عنهم القتال، أو لأنها جزء من المال مفروض، وعليه تكون الياء عن همزة. وقيل: معرب من كزيت وهو الخراج بالفارسية. ولا يجوز هذا لأن الأصل عدم كون اللفظ معربا إلا ما قام دليله. وعلى كل حال هى فى الأصل مصدر أطلقت على مقدار من الخراج { عن يد } متعلق بمحذوف حال من الجزية. ويد انقياد أى ثابتة عن انقياد، أى يقدر خاصا، أى صادرة عن يد، أو صادرة أو ثابتة عن ذل منهم أو عن إنعام منكم بقبولها، أو عرفهم عليهم، أو عن حضور ونقد، أو عن غنى، وهو وجود ما يعطى، ومن لم يجد فلا عليه، وقيل: يجبر عليها لأنه قادر على التوحيد ، فلو وحد سقطت عنه، وضعف إلباثه فى الشمس ملطخا بالعسل أو اللبن. وقيل إن قدر على الكسب فبها وهو قول الشافعى، ومن الذل والانقياد الذى تضمنته معانى يد مجيئهم بها، وعدم تأجيلها، بعد حلول وقتها، ولا يقولون للإمام أرسل من يقبضها { وهم صاغرون } أذلاء تأكيد لقوله عن يد، إذا فسر اليد بالذل، فالأولى أن لا تفسر بالذل، وجعل ابن عباس لقوله: صاغرون معنى على حدة. هو أن يضرب فى عنقه، وقيل: يؤخذ بتلبيبه ويهزهز، أو يقال: إعط الجزية يا ذمى. وقيل: يؤخذ بلحيته وتضرب لهزمته، ويقال: أد حق الله تعالى يا عدو الله. وفى قبولها وإهانتهم بذلك إمهال لهم لعلهم يتفكرون فى المدة، وينظرون فى كتبهم، فيعرفون الحق معه صلى الله عليه وسلم. وليست الجزية إقرارا لهم على كفرهم. كما زعم بعض، ولعل مراد قائله أنها عوض عن القتل والاسترقاق الواجبين، فتكون مثل إسقاط القصاص بعوض الدية، وهى عقوبة على الكفر مثل الاسترقاق. وهى لنفع المسلمين، وقيل: قبلت منهم لحرمة آبائهم الذين على الحق. وقيل: ليتوجعوا بما يعاملون به. فيتركوا الكفر إلى الإيمان. وجاءت السنة بأخذ الجزية عن المجوس، قال صلى الله عليه وسلم:

" سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب فى الجزية "

أى لا فى النكاح والذبائح، وأخذها عن مجوس هجر، كما شهد به عبد الرحمن بن عوف لعمر حيث توقف فى المجوس، وقال مالك والأوزاعى: تؤخذ من كل مشرك، وفى امتناع عمر من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أنه صلى الله عليه سولم أخذها منهم دليل على أن رأى الصحابة على أنها تؤخذ من المجوس، وفى البخارى: ما أخذ عمر الجزية عن المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.

ويروى أنه شهد له عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

অজানা পৃষ্ঠা