তাইসির তাফসির
تيسير التفسير
. { من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله } إنما يليق بعمارتها من اتصف بتلك الصفات، ويؤذن له شرعا، وأما المشركون فلا حتى يوحدوا الله عز وجل، أو إنما تعتبر عمارة من اتصف بها، وعمارة غيره كأن لم تكن بل تخريب لم يأذن الله به، وأجازت الحنفية دخول المشرك المسجد، وكرهته المالكية والحنابلة، وحرمه أصحابنا، ولو أوصى مشرك لمسجد لم تقبل وصيته عند الحنفية، وتنفذ عندنا، وباقى الصفات داخل فى قوله " من آمن بالله واليوم الآخر " لأن الإيمان به يستدعى ترك المحرمات وفعل الطاعات، وخص الإيمان باليوم الآخر بالذكر لأن قريشا أنكروا البعث وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لأنهما من الأعمال البدنية، ويشير بهما إلى باقى الأعمال ولأنهما قد يراد بهما جميع العبادات، ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ذكر الله عز وجل يستتبعه حتى أنه يذكر حيث ذكر الله كما فى الأذان والإقامة والشهادة، وأيضا الصلاة تكون بالأذان والإقامة والتشهد، ذكر له لأنه صلى الله عليه وسلم يذكر فيهن، وأيضا الصلاة والزكاة أتى بهما صلى الله عليه وسلم، فإنما يتعلمان من جهته، قال سلمان رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من توضأ فى بيته فأحسن الوضوء ثم أتى إلى المسجد فهو زائر لله تعالى، وحق على المزور أن يكرم زائره "
، رواه الطبرانى، ومن عمارته قراءة القرآن فيه جماعة، وهو أفضل ما يعمر به، وتعليم العلم والتعلم فيه، ويطهر عن شعر الكذب والفحش، ويجوز قراءة دواوين الشعراء بقصد تعلم العربية لا بغناء، وينبغى تجنب شعر الفحش إلا بإظهار تقبيحه وخفض الصوت به، ولا إشكال فى ذكر الزكاة فى مقام عمارة المساجد لأن المراد بذكرها بيان أن من لا يؤتيها لا تعتبر عمارته، إذ ترك ركنا من الإسلام { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } إلى الجنة، ذكره بلفظ الترجى المصروف للخلق لأنهم لا يدرون بم يختم لهم، وزجرا لأن يقطعوا بتحقيق أعمالهم وتوحيدهم لإمكان أن يختل بما لم يتفطن له وقطعا لأطماع المشركين عن كون ما هم عليه اهتداء، وعن الانتفاع بأعمالهم، وزجرا للمؤمنين أن يأمنوا مكر الله بأعمالهم، وقد كان حالهم عند الله دائرا بين عسى كهذه الآية، ولعل كقوله تعالى:
لعلكم تفلحون
[البقرة: 189] مع أن مثلهما من الأكابر جزم، وجئ بهما إثباتا للخوف والرجاء.
[9.19-23]
{ أجعلتم } توبيخ وإنكار للياقة الجعل وإنكار لصحته شرعا، والخطاب على الصحيح، وهو مذهب الجمهور للمشركين التفات من غيبتهم فى قوله تعالى
ما كان للمشركين
[التوبة: 17] إلخ.. إذ قالوا: عمارة المسجد الحرام والسقاية خير من الإيمان والجهاد كما مر فى محاورة العباس وعلى، وفى رواية أنه قال له: يا عم لو هاجرت إلى المدينة، فقال: أو لست فى أفضل من الهجرة؟ أو لست أسقى الحاج وأعمر البيت، وهذا ظاهر فى أنه كان مسلما. وقيل: الخطاب لجماعة من المؤمنين اختلفوا عند المنبر عند الجمعة ، قال بعض: أفضل الأعمال بعد الإسلام سقى الحاج، وقال بعض: عمارة البيت، وقال بعض: الجهاد فى سبيل الله، فقال عمر: إذا صليتم الجمعة دخلتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله. فنزلت الآية إلى قوله تعالى { الظالمين } ومقتضى الظاهر: أجعلوا، بفتح الجيم ولكن خوطبوا تغليظا عليهم، { سقاية } سقى فهو مصدر { الحاج } اسم جنس جمعى، وأل فيه للجنس، كانوا يشترون الزبيب من الشام إذا سافروا إليه، أو من الطائف أو غيرهما، وينبذونه فى ماء زمزم فى جلود يحفر لها وتبسط فى أيام الموسم ويشرب منها الحجاج، وكان العباس يلى هذا السقى فى الجاهلية والإسلام، وأقرها صلى الله عليه وسلم للعباس، وكانت لآل العباس ما دام منهم أحد، وجاء رواية مشهورة أنه رضى الله عنه طلبها والحجابة فمنعهما عنه. ولم يقل وإيمانه لأن إيمان الكافر بمجرد ذكر الله كلا إيمان، بل يقال: هو غير مؤمن. وعلى أن الخطاب للمؤمنين فلم يقل وإيمانه لأن نزاع المسلمين إنما هو فى غير الإيمان وللعلم به وذكره فى المشبه به مع العلم به تقوية للإنكار وتذكيرا لأسباب الرجحان ومبادئ الأفضلية وإذانا بكمال التلازم بين الإيمان والجهاد { وعمارة المسجد الحرام } بالأبدان مع المعصية فيه بالعرى وعبادة الأصنام أو بعبادة لله باطلة بالشرك وغير ذلك { كمن آمن بالله } إيمانا مستلحقا للإيمان برسوله والإخلاص، أى كإيمان من آمن بالله { واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله } أو يؤول سقاية بالساقين استعمالا للمصدر فى معنى اسم الفاعل، أو يقدر: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله، ويدل لهذين الوجهين قراءة: أجعلتم سقاية الحاج وعمرة المسجد الحرام بضم السين وفتح العين والميم وإسقاط الألف بعدها: جمع ساق، كقاض وقضاة، وجمع عامر كسافر وسفرة، وبار وبررة، وكافر وكفرة، ويدل لهما أيضا قراءة سقاية الحاج وعمرة بضم السين وفتح العين والميم جمع ساق بوزن فعال بالضم جمع أنث بالتاء فصار بوزن فعالة كحجارة بالضم، وفى هذا الوجه مقابلة كل بكل. إلا أن الحذف من الآخر أولى. وفى الوجه الأول مقابلة السقاية والعمارة بالإيمان فقط مقيدا بالجهاد، والمعنى: كيف يكون المشركون بأعمالهم المبطلة وأعمالهم المعاقب عليها كالمؤمنين فى أعمالهم المثبتة المثاب عليها؟ أو كيف تكون أعمالهم كأعمال المؤمنين فى الاعتبار، وإذا لم يستووا تبين ولو للمشركين أن المؤمنين أفضل فلا يبقى أنهم دون أهل الشرك، وهم فى هذا المقام لا يطلبون إلا أن يساووا المؤمنين، أو نفى المساواة نفى لأن يكونوا أفضل من المؤمنين من باب أولى، ومعلوم أنه إذا قال خصم: لا نستوى، إنما أراد: إنى أفضل.
وقد قال الله عز وجل عن المسلمين لا يستوون، وأكد ذلك بقوله: { لا يستوون عند الله } لأن نفى الاستواء مستفاد من الإنكار والتوبيخ فى قوله { أجعلتم } وعلل نفى الاستواء بقوله { والله لا يهدى القوم الظالمين } وبقوله:
অজানা পৃষ্ঠা