613

وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك

[الأنفال: 30] ودار الندوة دار الاجتماع للتحدث بناها قصى وهى مقام الحنفية الآن، ولم يذكر هنا الإثبات وهو الحبس مثلا ولا القتل، بل ذكر الإخراج فقط، لأنه الواقع { وهم بدءوكم أول مرة } بالنقض وبقتال حلفائكم، وهم خزاعة، قاتلهم بنو بكر وأعانهم بالسلاح قريش، والإعانة على القتال قتال مجازا، أو قاتل بعض منهم أيضا، وذلك قول الأكثرين أنهم بدءوا بقتال خزاعة، أو بدءوكم يوم بدر ولما بلغهم سلامة العير قالوا: لا نبرح حتى نقتل محمدا وأصحابه.

أو بدءوكم بإنكار ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالعداوة عليه، وذلك حين كان بمكة وبعد ذلك، والمأمور بقتالهم الناكثون وقريش، واعترض بأن ما وقع فى دار الندوة هو الهم بالإخراج أو الحبس أو القتل، والذى استقروا عليه القتل، وأجيب بأن الإخراج مترتب على اهتمامهم من الله تعالى وما عداه لغو، فخص بالذكر لأنه المقتضى للتحريض ولم يظهر لغيره أثر، وقيل تنبيه بالأدنى على الأعلى، ولا يقال إن الحبس أدنى منه لأن بقاءه فى يد عدوه أشد، وقيل: الآية فى اليهود إذ هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة. وقيل: خرجوا مع الأحزاب ونقضوا العهد، وهما ضعيفان { أتخشونهم } أتخافون أن ينالوكم بسوء فتتركون قتالهم وهو إنكار للياقة ذلك، وتوبيخ على ما كان منه إن كان، والحاصل انتفاء صحة ذلك شرعا وهو أيضا متضمن للنهى عن الخشية ولذلك صح تعليله بقوله { فالله أحق أن تخشوه } كأنه قيل: لا تجوز خشيتهم لأن الله أحق أن تخشوه، أى الله أحق بالخشية فاقتصروا على ما هو الأحق ولو ظهر لكم أنهم حقيقون بأن تحشوهم والمقام للاختصاص فهو حصر، وقد يقال: الحصر من حذف المتعلق للعموم وكأنه قيل: أحق من كل شئ، فيختص به لأنه بلا خشية لسواه، وهذا ضعيف لأن المقام للتفضيل على المشركين المتكلم فيهم، ولكن معنى الحصر لا بد معتبرا، والمعنى: فالله وحده حقيق بالخشية، وذلك بابتغاء إعلاء دينه وعبادته وقتال أعدائه، وبالخوف من بأسه، وعن ابن عباس: الآية ترغيب فى فتح مكة، وهو مشكل لأن براءة بعد فتحها، والجواب بأن أولها نزل قبل الفتح تكلف يحتاج إلى حجة، ومصدر تخشوه بدل اشتمال من لفظ الجلالة، أو مبتدأ ثان، وأحق خبره، والجملة خبر الأول، أو فاعل لأحق بناء على جواز رفع اسم التفضيل الظاهر ولو فى غير مسألة الكحل إذا خرج عن التفضيل وعلى لغة جوازه بلا شرط، أو يقدر بالباء أى أحق بالخشية، وتقدير الباء أولى لظهور المعنى، وحذف الجار قبل أن وإن كثير شائع إذا أمن اللبس، وفى غير هذا الوجه ضعف، والحق أن أحق وأن تخشوه على تقدير الباء متعلقة به، أى أحق بالخشية كما مر أولا { إن كنتم مؤمنين } به فإنه لا ضار ولا نافع سواه، ومن خاف الله عز وجل خاف منه كل شئ، ومن خاف غيره خاف كل شئ. وسلط عليه، وإن لم تقاتلوهم فلستم بمؤمنين فإن الإيمان يقتضى قتالهم.

[9.14]

{ قاتلوهم } تأكيد فى القتال بعد بيان موجبه من النكث والطعن والهم بإخراج الرسول، وبعد التوبيخ على تركه والإيعاد على الترك والخشية من الله فقط، وجزم فى جواب هذا الأمر أربعة أفعال يتضمن معانيهن الترتب على القتال تعذيبهم بأيديكم وخزيهم وشفاء صدور قوم مؤمنين وإذهاب غيظ قلوبهم. وأما التوبة على من يشاء فليست مرتبة على قتالهم، فرفع يتوب لذلك، إذ ليس المعنى أن قاتلوهم يتب الله على من يشاء، بل عطف قصة على أخرى والإخبار على الأمر { يعذبهم الله بأيديكم } جزاء لضرهم إياكم تعذبوهم بالقتل كما ضروكم، فاشكروا الله على هذه النعمة ولا تراعو حظ النفوس فى تعذيبهم بأيديكم زيادة إيلام لهم لأنه أشد عليهم، كما قالت الزباء " بيدي لا بيد عمرو ". وإسناد التعذيب إلى الله المؤذن بالشدة مجاز عقلى لأن الكاسب المخلوق والله خالق للكسب { ويخزهم } يجعلهم أذلاء فى قلوبهم بالأسر والقهر ويظهر أثر ذلك على أبدانهم ووجوههم أو يعذبهم بالقتل والأسر ويخزهم بهما، أى يذلهم بها { وينصركم } كلكم { عليهم } كلهم للأبد، أو بالقتل، على أن التعذيب ليس بالقتل { ويشف صدور قوم مؤمنين } أى ويشف صدوركم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالإيمان وبطيب قلوبهم، أو القوم المؤمنون خزاعة على أنهم أسلموا، أو المراد قوم منهم أسلموا وجزاهم الله بالنصر على بنى بكر الذين غدروهم، أو بطون من سبأ واليمن قدموا مكة وأسلموا، فلقوا من أهل مكة أذى شديدا فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

" أبشروا... إن الفرج قريب "

، أو هؤلاء وخزاعة..

[9.15]

{ ويذهب غيظ قلوبهم } اغتاظت لما لقيها من أذاهم، أو لمخالفتهم حق الله عز وجل، وخص الشفاء بهم لأنهم لم يحضروا القتال، كما أن النصر بالنظر للحاضرين، ولذلك خوطب فى التعذيب والنصر، واغتيب فى شفاء الصدور، وإلا فكلهم شفى ونصر من الشدة من بنى بكر الناكثين، ومن أهل مكة إذ غدرت بنو بكر خزاعة وعذب أهل مكة بطونا من سبأ واليمن، وقيل: الشفاء بقتلهم وخزيهم، وذهاب الغيظ بالنصر عليهم كلهم، وقيل: ذهاب الغيظ تأكيد لشفاء الصدر. قيل: وذهاب الغيظ أبلغ من شفاء الصدر وتعذيبهم وخزيهم، فذلك من الترقى، قلت، بل شفاؤه أبلغ من ذهاب الغيظ، ويضعف ما قيل أن الشفاء بوعد الفتح وذهاب الغيظ بوقوعه { ويتوب الله على من يشاء } من المشركين بالتوفيق إلى الإسلام، وكل ذلك واقع، والشفاء وإذهاب الغيظ متحدان ما صدقا مختلفان مفهوما، وذلك مسوغ للعطف، وأما الصدور جئ أولا والقلوب ثانيا مع أن القلوب فى الصدور فمن البلاغة، وقد تاب قوم من أهل مكة وحسن إسلامهم، والتقدير: يغضب الله على من يشاء ويتوب على من يشاء فالآية من المعجزات بالإخبار بالغيوب الواقعة على طبق الإخبار كما قال { والله عليم } بكل شئ ما كان وما يكون { حكيم } لا يعبث ولا يسفه.

[9.16]

অজানা পৃষ্ঠা