587

{ وما كان صلاتهم عند البيت } دعاؤهم عند البيت هو المسجد الحرام. ذكره باسم البيت لزيادة تقبيح معصيتهم عند بيته تعالى أو طوافهم وكانوا يطوفون عراة رجالا ونساء، ومصفرون فى أصابعهم مشبكة، أو صلاة شرعية فى زعمهم وليست صلاة لشركهم واختلال شروطها وأركانها، أو شئ يضعونه موضع الصلاة وليس صلاة شرعية ولا لغوية أى لا شئ مما يعدونه صلاة وعبادة. وأولى من هذا أن يكون المعنى لا عبادة لهم ألبتة عند البيت إلا ما ذكره بقوله { إلا مكاء وتصدية } المكاء التصفير أو البكاء أو الصراخ، قال الأصمعى: قلت لواحد من أهل اللغة: ما المكاء؟ فشبك بين أصابعه ثم وضعها على فيه ونفخ، فيظهر من ذلك صوت، والتصدية صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى مصدر صدى بالشد بمعنى صفق، أو المراد نفس التصفيق باليد على الأخرى وأصله من الصدى وهو الصوت الذى يرجع من الهواء الصلب أو مصدر صدد بالشد قلبت الدال الثالثة ألفا كتقضى فى تقضض البازى فهى هذه الياء، وأما الدال الثانية فعوض عن الياء التى تقلب إليها آخر الكلمة وهو الصياح والصراخ أو التصديد كذلك وهو منع الناس عن الدين والمسجد الحرام، وكان المشركون يصفقون ويصفرون ويصيحون ويصرخون ليخلطوا عليه صلى الله عليه وسلم قراءته ويشغلوا المستمع، وذلك طبق قولهم

لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه

[فصلت: 26] وكان إذا صلى فى المسجد الحرام قام من بنى عبد الدار رجلان عن يمينه يصفران وآخران عن يساره يصفقان فقتلوا ببدر، والاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا باعتبار أن ذلك صلاة أيضا، { فذوقوا العذاب } بالقتل والأسر فى بدر على أن هذا نزل قبل بدر وإن نزل بعد بدر فعلى طريق حكاية ما قيل لهم بالمعنى حال قتال بدر والمعطوف عليه محذوف مع قول بعد الفاء، أى فعلوا لذلك فقيل لهم ذوقوا العذاب، وأل للعهد فى قوله ائتنا بعذاب أليم أنجز لهم فى بدر، وإذا قيل عذاب الآخرة فالتقدير فيقال لهم بذلك فى الآخرة: ذوقوا العذاب، وهو عهد خارجى وإن أريد به القتل والأسر ببدر هكذا كان العهد ذهنيا، وقيل خارجيا، وإن أريد عذاب الآخرة فالعهد جنسى والفاء للسببية أى ذوقوا بسبب مكائكم وتصديتكم { بما كنتم تكفرون } اعتقادا وقولا وفعلا، الباء سببية، ولا يتدافع السببيان لأن الثانية منسحبة على مجموع ما قبله، أى إنما كان مكاؤهم وتصديتهم سببا للعذاب لأنهما كفر.

[8.36]

{ إن الذين كفروا } المراد أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البخترى والنضر وحكيم بن حزام، وأبو زمعة والحارث وأبو سفيان، والمراد بالآية العموم. ولو نزلت الآية فى هؤلاء المخصوصين يطعم كل واحد كل يوم عشرة أبعرة حين خرجوا إلى بدر، وكانت وقعة بدر قبل تمام عددهم عند نوبة العباس رضى الله عنه فلم ينفق شيئا، وهم ثلاثة عشر رجلا، وشهر اثنا عشر، وقيل: أنفق العباس أربعين أوقية، والأوقية يومئذ أربعون مثقالا من الذهب، وصح إطلاق الآية على نحو العباس لأنه صدق عليه أنه أنفق وأنه مغلوب وأنه تحسر، وذلك كله فى الدنيا، وأما خصوص المصرين ففى قوله " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون " { ينفقون أموالهم } تلك الإبل وغيرها فى عداوة رسول الله وإبطال دين الله كما قال { ليصدوا عن سبيل الله } وقد قيل نزلت فى ذلك وفى إنفاق أبى سفيان حين استأجر ليوم أحد بعد بدر ألفين من سائر الناس الحاضرين حول مكة سوى من كان من جيش مكة ويسمون الأحابيش لحضورهم حول مكة، وليسوا من جيشها وأنفق عليهم أربعين أوقية، وفى إنفاق أصحاب العير الآتين من التجر بالشام، قالوا: أنفقوا هذا المال لعلنا نأخذ ثأرنا من محمد وأصحابه إذ قتلونا فى بدر فجمعوها لقتال أحد { فسينفقونها } تفصيل وبيان لثمرة إنفاقهم وعاقبتها، والفاء لذلك لا للترتيب والاتصال وإن قلنا: نزل هذا قبل بدر فظاهر، أو بعدها فتنزيل للماضى منزلة المستقبل ليشاهد إذا حضر أو الإنفاق الأول فى بدر ذكر قبلها، وإن ذكر بعدها فللتنزيل المذكور والثانى للإنفاق ليوم أحد، ويجوز حمل الأول على الإرادة أى إن الذين كفروا يريدون إنفاق أموالهم فسينفقونها، أو الأول إنفاق بعضها والثانى إنفاقها بتمامها، ويبعد أن يكون المعنى فسيعلمون عاقبة إنفاقها من الخيبة مما قصدوا بإنفاقها، وكرر الإنفاق لزيادة تقبيح صنيعهم. وخبر إن هو قوله: ينفقونها، كما رأيت، أو هو حال من واو كفروا، أو خبر إن سينفقونها قرن بالفاء للعموم فيدخل فيهم الثلاثة عشر بالأولى { ثم تكون عليهم حسرة } ندما وغما فى الدنيا كالآخرة لأنهم أنفقوها ليغلبوا المسلمين، وغلبهم المسلمون. ووجه كونها حسرة فى بدر فحسب الدنيا ظاهر، وأما فى أحد فلعدم نجاتهم من فتح مكة عليهم، وضمير تكون لأموال على حذف، أى يكون إنفاقها وليس الأموال ولا إنفاقها نفس الحسرة ولكن سببها فأخبر عنها باسم مسببها مبالغة كأنها نفس الحسرة { ثم يغلبون } يغلبهم المسلمون فى الدنيا بالقتال أما فى الآخرة ففى قوله { ثم يغلبون } يغلبهم المسلمون فى الدنيا بالقتال أما فى الآخرة ففى قوله { والذين كفروا } أصروا على الكفر { إلى جهنم يحشرون } يجمعون.

[8.37]

{ ليميز } متعلق بيحشرون أويغلبون، فإن فى حشرهم إلى النار ميز الخبيث من الطيب، وكذا فى كونهم مغلوبين أى، ليفصل { الله الخبيث من الطيب } الخبيث الكافر والطيب المؤمن والمراد جنسهما، أو الخبيث الاعتقاد والقول والفعل الخبيثات، والطيب الصوالح منهن، وإن جعلنا الخبيث النفقة فى إعلاء الدين فاللام متعلق بتكون لا بتحشرون، لأنه لا معنى لتعليل كون ما لهم حسرة بتمييز الكفار من المؤمنين أو الفساد من الصلاح، أو يراد ذلك كله فى الجانبين. { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } يضع الكافر على الكافر ويضع ما أنفقه فى العداوة وقوله وفعله واعتقاده عليه مكانا ضيقا مقرنين فيزداد تحسرا بأخيه الكافر وما أنفقه وما عمله من اعتقاد وقول وفعل مستحضرا له { فيركمه } يجمعه متلاصقا { جميعا } حال من الهاء، أو توكيده أو جمعه { فيجعله فى جهنم } على مواطن، تارة يجتمع أهل النار وتارة يفترقون { أولئك } إشارة بلفظ الجماعة إلى الخبيث لأن المراد به الجنس الكفار وما أنفقوا وما عملوا، أو المنافقون، وإشارة البعد لبعد مرتبتهم فى السوء { هم الخاسرون } الخسران الكامل أو كأنه لا خاسر إلا هم، أو خسروا أنفسهم وأموالهم، وإسناد الخسران إلى ما أنفقوا أو إلى عملهم مجاز، وإلا لم يتصوروا الجواب، إذ المعنى أولئك المتصفون بتلك الصفات.

[8.38]

{ قل للذين كفروا } أشركوا كأبى سفيان وأصحابه، واللام للتبليغ فالغيبة فى قوله { إن ينتهوا } إلخ، على طريق الالتفات السكاكى من الخطاب إليها، والأصل إن تنتهوا بالتاء، أو بمعنى فى أى فى شأن الذين كفروا أو للتعليل، والأول أولى، ويدل له قراءة ابن مسعود تنتهوا بالمثناة فلا التفات، والمعنى إن ينتهوا عن كفرهم وصدهم عن سبيل الله وعداوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والإعانة فى الدين وحب الرسول { يغفر لهم ما قد سلف } ولو كانوا كتابيين وفى عهد، وذلك هو الصحيح، وقيل: يلزم الذمى حقوق الله وحقوق العباد قبل الإسلام وهو ضعيف ليس بشئ لحديث الإسلام يجب ما قبله، وكذا من ارتد ثم أسلم لا يؤخذ بما فعل فى الردة، وقيل: يؤخذ، والمراد فى الآية ما سلف من كفرهم وقتل الأنفس وأخذ الأموال ولو بقيت فى أيديهم وغير ذلك من الذنوب التى بينهم وبين الله والعباد، ويفرق بينه وبين محرمته إن تزوجها، وبينه وبين من جمع من المحرمتين فصاعدا فيقتصر على واحدة وبين الزائد على أربع ويهريق ما عنده من خمر و يقتل خنزيره ويدفن ميته، فيخرجون من ذنوبهم كما ينسل الشعر من العجين، والإسلام جب لما قبله، وزعم بعض أن ذلك فى الحرب ومن لم يكن فى العهد، وأن أهل الذمة يغفر لهم حقوق الله لا حقوق العباد، وقيل: يرد المشرك ما بقى فى يده من مال الناس، قال يحيى بن معاذ الرازى فى هذه الآية: توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سنة، وتوحيد سبعين سنة لا يقوى على هدم ذنب ساعة، وهذا قولنا: إن الإصرار على ذنب يبطل الأعمال كلها { وإن يعودوا } إلى الكفر والقتال، أى يبقوا عليه، شبه البقاء عليه بالرجوع إليه بعد التوبة، ففى الآية استعارة تبعية وإشارة إلى أن الردة أشد قبحا من الكفر الأول إذ جعلها المشبه به، أو سمى مطلق استعمال الكفر عودا إليه تسمية للمطلق بالمقيد، أو المراد يعودوا إلى الكفر بعد التوحيد، أو شبه توقعهم تمام قول الرسول لهم، أو إدراكهم أن الحق معه ثم يعاندوه بتوقفهم عن الكفر فيعودوا إليه { فقد مضت سنة الأولين } تعليل ناب عن الجواب، أى وإن يعودوا أهلكوا أو فليتوقعوا الإهلاك لأنه قد مضت سنة الأولين بالإهلاك إذا تحزبوا على أنبيائهم بالإيذاء والتكذيب، والأولون هم الأمم السابقة أضيفت إليهم السنة لأنها وقعت عليهم، أو هم الرسل أضيفت إليهم لأنها على أيديهم وبسببهم، كما قال سنة من قد أرسلنا، والأول أولى لأنه الكثير فى القرآن.

[8.39]

অজানা পৃষ্ঠা