575

[التوبة: 25]،

ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء

[التوبة: 27]، وعن أبى سعيد الخدرى: الآية فى أهل بدر خاصة لأنه كان معهم النبى صلى الله عليه وسلم، ولم تكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبى صلى الله عليه وسلم ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، ولأنها أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه والمؤمنون معه.. وأما فى غير بدر فالمؤمنون فئة. فالفرار غير كبيرة، وبه قال الحسن وقتادة والضحاك، وذكر الله عقاب من فر لغير ما جاز الفر له فى قوله { فقد باء } رجع فى توليته تلك وفى جميع أحواله إن لم يرجع ولم يتب { بغضب من الله } مع غضب منه، وهو قضاؤه الأزلى بشقوته أو عذابه الأخروى { ومأواه } مرجعه { جهنم وبئس المصير } هى، وقيل: الوعيد خاص بأهل البيت والحاضرين معه صلى الله عليه وسلم. وقيل: بأهل بدر لأنه لا فئة لهم ينحازون إليها، فالوعيد لمن فر فيه، وأما فى غير بدر ممن خاف الموت بلا فائدة لضعفه وكثرة المشركين فله الفرار، وقيل: الحكم خاص بمن ذكر، وبجيش فيه النبى صلى الله عليه وسلم. ووقعة بدر أول جهاد ولو لم يثبتوا لزم مفاسد عظيمة، وعن محمد بن الحسن أن المسلمين إذا كانوا اثنى عشر ألفا لم يجز الفرار، والظاهر أنه لا يجوز أصلا مع هذا العدد ولو كان العدو أضعافهم أضعافا كثيرة لأنهم لا يغلبون من قلة كما فى الحديث، والصحيح تحريم الفرار إلى فئة بعيدة لم تستعد معهم وتحريم فرار الواحد أو من واحد من اثنين، واستدل بجوازه إذا كان يقتل بلا فائدة بما قال عمر بن الخطاب فى أبى عبيدة رضى الله عنه، لما مات: لو انحاز إلى كنت له فئة، كما روى أنه انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة فقال لعمر رضى الله عنه: يا أمير المؤمنين هلكت، فررت من الزحف، فقال: أنا فئتك.. وهذا الحديث السابق تسلية لا إباحة للفرار إلى غير المستعدين معه. وإلا لم يوجد فار من الزحف إلا من فر ونوى ألا يقاتل بعد، روى أنه صلى الله عليه وسلم رماهم بكف من حصباء بأمر جبريل عن الله عز وجل، وقال: شاهت الوجوه، انهزموا، فقتلهم المسلمون وأسروهم، فكانوا يقولون: قتلت وأسرت، فقال الله سبحانه وتعالى: إن افتخرتم بقتلهم وأسرهم.

[8.17]

{ فلم تقتلوهم } أى فأنتم لم تقتلوهم ولم تأسروهم { ولكن الله قتلهم } وأسرهم { وما رميت } ما أوصلت التراب إلى عيونهم وأفواههم وأنوفهم { إذ رميت } إذ ألقيت التراب إلى جهتهم { ولكن الله رمى } أوصله إليها، وحاصله: ما رميت به تلك الأعضاء إذ رميته إليها، أو إذا أردت رميها به ولكن الله رماها به. أو ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب فى قلوبهم ويرجع هذا الذى ذكرته أولا إلى قولنا: ما أثر رميك إذ رميت ولكن الله أثره، وأفعال العباد بخلقه تعالى، وكسبها لها ومباشرتها، فهو رمى كسبا والله تعالى رمى خلقا وتأثيرا، ولو شاء الله لم يصلهم الرمى، أو يصلهم ولا يؤثر فيهم، وجميع أفعال العباد بخلق الله تعالى وكسبهم، وللعبد قدرة مؤثرة يخلقها الله إن شاء، وإن شاء أبطلها فلم تؤثر، والمشهور أنه لا أثر له، أى لا يؤثر إلا بخلق الله عز وجل تأثيره، ومشهور الأشعرية أن له قدرة غير مؤثرة، أى لا تؤثر بذاتها فالخلاف لفظى، أو لم يسموا ما للعبد تأثيرا، وزعمت المعتزلة أن له قدرة يفعل بها ما لا يشاء الله عز وجل، وقالت المجبرة: لا قدرة للعبد أصلا، ولتفسير الرمى المنفى والمثبت بما مر كان نظر القرآن كما هو، وإلا فمناسب فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت ولكن الله رمى، ومناسب { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } فلم تقتلوهم إذ عالجتم قتلهم وظهر لكم أنكم قتلتموهم ولكن الله قتله. ولا يناسب مقام قصة بدر أن يقال هذا فى طعنه صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبى بن خلف، فإن ظاهر الطعن غير الرمى، وإنما قيل هذا فى رميه بسهم نحو الحصن يوم حنين، وإصابته ابن أبى الحقيق فى فراشه، لأن فى ذلك دخول كلام أجنبى فى أثناء القصة، ولكن هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه مات بكسره صلى الله عليه وسلم ضلعه، أو بخدشه له. أتى أبى بن خلف إلى النبى صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد من يحيى هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

" يحييه الذى يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار "

وأسر يوم بدر فلما افتدى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عندى فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها.. فقال صلى الله عليه وسلم:

" بل أنا أقتلك إن شاء الله "

ودنا يوم أحد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:

" تأخروا.. "

অজানা পৃষ্ঠা