556

" إذا رأيت الله أنعم على عبده، وهو مقيم على معصية فاعلم أنه مستدرج، فتلا هذه الآية "

، والآية استعارة تمثيلية، والاستدراج حقيقة الإنزال درجة بعد درجة، أو الإصعاد درجة بعد درجة على مهل، أو بلا إصعاد ولا إنزال، بل على استواء فى مهل، أو الجعل كصبى يقارب خطاه، أو الطى، كدرج الثوب طواه، أى نطوى آجالهم، أو نخرج درجا أى مشيا، والواضح الأول، والسين للوعيد والتأكيد لأن المراد الحال والاستمرار.

[7.183]

{ وأملى } أمهل { لهم } عطف على نستدرج، وحكم التأكيد فى الوعيد بالسين منسحب عليه، ولا ينسحب عليه الاستدراج لأنه ليس معمولا للاستدراج، وكأنه قيل: وسأملى، ولم يقل نملى، بل بالهمزة لأن معنى سنستدرجهم سأستدرجهم بالهمزة، ولو دل على العظمة بالنون، ولأنه بالهمزة بعد النون أبلغ فى الوعيد، إذ همزة التصريح بخصوص واجب الوجود بلا صيغة مشاركة كمثل أن تواعد قوما بصيغتك وصيغة غيرك فى لفظ واحد، ولما بلغت التشديد فى الأمر خصصت أنك الفاعل بهم ما توعد. وهم فى ذلك أذل لك وأخضع { إن كيدى } مكرى بالإهلاك، وسماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان بالاستدراج، أو لنزوله بهم وهم لا يشعرون، قيل: وفيه استعارة تمثيلية. فى معنى لا معان مجموعة كقوله والطاعنين مجامع الأضغان، أى القلوب، فإنها فيه فى معنى لا معان { متين } قوى لا يطاق.

[7.184]

{ أولم يتفكروا } أكذبوا ولم يتفكروا، { ما بصاحبهم } فى صاحبهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم { من جنة } من نوع من أنواع الجنون، وما نافية أو استفهامية إنكارية علقت بتفكر لأنه فعل، قلت: والتعليق تعطيل عامل عن معموله الذى يتوصل إليه بنفسه أو بحرف جر، وها هنا فى، ومن صلة للتأكيد فى المبتدأ أو فى العامل، وفى ذلك التعليق غنى عن تقدير، أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة. وفى هذا التقدير أيضا تعليق، وعن دعوى تمام الكلام فى يتفكروا واستئناف نفى الجنون بقوله ما بصاحبهم نفيا خالصا أو إنكاريا، وقدر بعض: أولم يتفكروا فى الذى فى صاحبهم من جنون فى زعمهم فيفهموا أنه باطل، وإنما ينسبونه صلى الله عليه وسلم إلى الجنون بهتانا محضا، أو لكونه قد يتغير وجهه من شدة الوحى بصفرة، أو كلامه بحرصه فى التبليغ، وكونه قد يغلف رأسه بالحناء من شدة وجعه، وكونه معرضا عما لا يعنى وعن اللذات التى يلتذون بها وتعبه فى العبادة ولا يعتقدون لها ثمرة، ومداومته على حال لا يعتادونها وهى دعاؤهم إلى الله تعالى، وأنه صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا إلى الإيمان، فأصبح فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون بات يهون، أى يصيح، فنزل: { أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } { إن هو إلا نذير مبين } ظاهر الإنذار فصاحة ومعنى وصدقا، وفى الآية إن شاء الله عز وجل تعريض بهم بأنهم مجانين دينا، وكمجانين الحس إذ حسبوا ما هو بعيد جدا عند العقلاء ولو منهم جنونا.

[7.185-187]

{ أو لم ينظروا } نظر استدلال، أى كذبوا ولم ينظروا، أو ألم يتفكروا ولم ينظرو { فى ملكوت السماوات والأرض وما } أى وفيما { خلق الله من شىء } كائن ما، وذلك عطف على خاص، وذكر الخاص لظهور عظم الملك فيه، وهو السماوات والأرض، ويجوز عطف ما على السماوات والأرض، والملكوت الملك مطلقا، أو الملك العظيم لزيادة الواو والتاء، أو الملك الغائب يسمعون به وينعون إليه كالعرش أو الغاضب الضمنى الذى يشاهدون ما خرج منه كالنار فى ضمن الشجر الأخضر والحجارة و الثمار فى ضمن الأرض والماء والخشب. وقوله: وما خلق الله من شئ يشمل ذرات الأجسام والأعراض، ففى كل ذرة دلالة على الله وكمال قدرته إذ لا يخلقها سواه، ولا يقصرها على ما هى عليه من شكل أو لون أو طعم أو غير ذلك من الصفات مع إمكان غيرها - إلا الله. أمرهم الله سبحانه وتعالى أن ينظروا فى ملكوت السماوات والأرض، وفى كل شئ، وفى أجلهم لعله قد اقترب فيبادروه بالإيمان والصلاح قبل نزول العذاب أو الموت كما قال { وأن عسى } وفى أنه عسى { أن يكون } أى الشأن، فقد تكرر ضمير الشأن ومسماهما واحد، كقولك زيد عسى أن يقوم زيد، فى مجر التكرير، وأجاز بعض، بل سيبويه، وارتضاه ابن هشام أن يكون اسم أن ضميرهم، أى وأنهم عسى أن يكون { قد اقترب أجلهم } فاعل اقترب والجملة خبر يكون، أو اسم يكون ضمير الأجل على أنه واقترب، تنازعا فى أجل، أو أجل اسمه، وفى اقترب ضميره، وفيه تقديم الخبر الفعلى بحال يلبس بالفاعلية إلا أن يغتفر بطلب الفعل الأول للمرفوع إذ لا بد له منه { فبأى حديث بعده } بعد القرآن وهو أفضل حديث وأصدقه ونهايته فى البيان، أو بعد هذا الحديث وهو القرآن، أو بعد الرسول أى بعد حديثه، وهو القرآن، والرسول أصدق الناس، أو بعد أجلهم كيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم { يؤمنون } إذ هو الغاية فى البيان والصدق، وكل كلام هو دونه، فلا يتصور إيمانهم بما هو دونه، وهذا إقناط من إيمانهم، للطبع عليهم، فقد انسحب على هذا ما فى قوله " أو لم ينظروا " من التوبيخ، ويجوز كونه مرتبطا بقوله عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، أى لم لا يتوقعون اقتراب الأجل ويتركون الإعراض عن الإيمان بالقرآن، وقرر ضلالهم وعلله بالضلال المطلق الذى لا هادى له. فى قوله:

{ من يضلل الله فلا هادى له } إلى دين الحق { ويذرهم فى طغيانهم يعمهون } يترددون، والنون فى نذرهم على طريق الالتفات إلى المتكلم من الغيبة، والواو عاطفة على جملة الشرط والجواب عطف قصة على أخرى، لأن الواو لا تكون حرف استئناف إذ لا وجه لقولك أن هذه الواو جاءت لتدل على أن ما بعدها مستأنف بخلاف من الابتدائية فإنها وضعت لتدل أن مبدأ الفعل مدخولها، وكذلك لا تكون الواو للاعتراض، إذ لا وجه لقولك أن هذه الواو وضعت لتدل على أن هذه الجملة معترضة، فلتحمل الواو فى المسألتين على ما يمكن من العطف أو الحال مثلا، ولو قلت فى الاعتراضية أنها عاطفة قبل تمام الجملة المعطوف عليها لجاز، لأن الجمل يتوسع فيها ما لا يتوسع فى المفردات، وفى المقام مناسبة كأنه قيل: نذرهم فى طغيانهم يعمهون لأنهم ممن أضل الله عز وجل.

سأل بعض اليهود كحمل بن أبى قشير وسموأل بن زيد وبعض قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى قيام الساعة؟ فنزل قوله تعالى:

অজানা পৃষ্ঠা